غزة-نوى:
بات على السيدة ميسون المقيّد البحث عن بدائل لمتابعة علاج زوجها المريض بسرطان البنكرياس بعد تزايد أخبار قرار الرئيس محمود عباس إحالة موظفي السلطة الفلسطينية في قطاعي الصحة والتعليم إلى التقاعد المبكّر، والبالغ عددهم 3700 في قطاع الصحة وحده بما يمثّل 40% من الكادر الصحي العامل في مستشفيات قطاع غزة.
تجلس السيدة الأربعينية بحزن في قسم الاستقبال بمستشفى الرنتيسي التخصصي لعلاج السرطان الواقع غرب مدينة غزة؛ بانتظار دورها للدخول إلى الطبيب المعالج والذي ربما يُحال للتقاعد هو أيضًا، تقول لنوى :"منذ سمعت هذه الأخبار لم أهدأ، ما ذنبنا لندفع ثمن خلافات سياسية لسنا طرفًا فيها، هل فكروا بما سيحدث لنا".
سؤال ميسون الاستنكاري تردد على ألسنة العديد من المرضى في صالة الانتظار المزدحمة بالمراجعين في مستشفى الرنتيسي، كلهم يؤرّقهم ويقض مضاجعهم مصير مراجعاتهم ومعاملاتهم الطبية والأدوية التي يتلقّونها في حال أصبح الكادر الطبي المعالج خارج المشهد الصحي.
وبينما يتعقّد المشهد أكثر أمام المرضى وذويهم؛ يؤكد د.أشرف القدرة الناطق باسم وزارة الصحة في غزة لنوى؛ شح البدائل التي يمكن أن تعتمدها الوزارة، فقبل القرار أصلًا هناك نقص حاد في الكوادر البشرية، فما بالنا حين يتم التسريح القسري لهذا العدد من الموظفين المدربين والمؤهلين هم من الأعمدة الرئيسية لوزارة الصحة ولا يمكن استبدالهم بكوادر من سوق العمل.
يبلغ عدد موظفي الصحة الذين قد يشملهم قرار التقاعد المبكر 3700 ، يشكّلون 40% من الكادر البشري لوزارة الصحة، وحسب بيان للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان صدر أمس؛ فإن من بين هؤلاء 942 طبيباً من الاستشاريين والأخصائيين (26%)، 876 ممرضًا (24%)، 221 من موظفي أقسام الصيدلة، 96 موظفًا يعملون في قسم الأشعة، 55 من موظفي أقسام العلاج الطبيعي، 99 من العاملين في الحرف الهندسية والصيانة، 67 من العاملين في المواقع الإشرافية، و22 مهندساً في المجالات المختلفة.
يشرح القدرة أن تسريح هذه الكوادر سيؤثر على ديمومة الخدمة الصحية، فالأطباء يعملون في تخصصات دقيقة، والممرضين من ذوي الخبرة كل في تخصص معيّن ما بين السرطان والعمليات الجراحية وغسيل الكلى والنساء والولادة.
تجري مستشفيات وزارة الصحة في القطاع المحاصر منذ 11 عامًا؛ يوميًا ما يعادل 250 عملية جراحية، و 80ولادة قيصرية، إضافة إلى 700 مريض يقومون بغسيل الكلى لمدة أربع ساعات يوميًا، و 1500 مريض سرطان يضافوا سنويًا إلى قائمة المصابين.
عودة إلى مستشفى الرنتيسي، حيث يزدحم المرضى أيضًا أمام قسم الصيدلة الذي يعاني أساسًا من شحّ الأدوية منذ أربعة شهور، والآن عليه أن يجرب معاناة إضافية مفادها تقاعد اثنين من الموظفين الثلاثة ليبقى صيدلي واحد فقط منفردًا في الصيدلية التي تعاني أصلًا شحّ الكادر الطبي.
يقول د.طلحة بعلوشة مسؤول قسم الصيدلة في المستشفى إن فريق تحضير العلاج الكيماوي في المستشفى يتألف من ثلاثة صيادلة اثنين منهم مرشحان للتقاعد المبكّر باعتبارهم من موظفي السلطة الفلسطينية، وهذا سينعكس سلبًا على الصيدلية وقد يوقف العمل فيها إذا لم يتم إيجاد البديل المناسب.
ويشرح بعلوشة إن هؤلاء الصيادلة يعملون في هذا المجال منذ أكثر من عشر سنوات ولديهم خبرة كبيرة وخاصة في تخصص يحتاج إلى مهارة عالية، ومن الصعب إيجاد صيادلة جدد ومن ثم تدريبهم لأن هذا يستلزم وقتًا طويلًا بالتالي سندخل في أزمة جديدة.
يقوم قسم الصيدلة في المستشفى ليس فقط بصرف الأدوية، إنما تحضير البروتوكولات العلاجية للمرضى، فهو يقوم بتسجيل الطلبات ومتابعة شكاوي المرضى والتحضير والتجهيز لأدويتهم وبروتوكولاتهم العلاجية ما يجعل من المستحيل قيام شخص واحد بهذه العملية كما يؤكد بعلوشة.
يضيف بعلوشة:"نحضّر يوميًا 50 علاج كيماوي وطلبات أدوية هرمونية لمرضى البروستاتا وسرطان الثدي ومجموعة كبيرة من وصفات أدوية المناعة وهشاشة العظام"، شارحًا أن هذا يعني 100 طلب يوميًا ما يعني أن العمل منذ السابعة والنصف حتى نهاية الدوام الرسمي لا يتوقف أبدًا.
ويشرح بأن أقسام الأورام تستقبل سنويًا 24 ألف زيارة ويتردد المرضى خلالها على العيادات والأقسام المختلفة، ومن أصل 7000 مريض هناك 54% نساء و 8% أطفال، والآن سيتم حرمان المرضى من علاجهم ضمن مثلث القتل البطء الذي بدأ بوقف توريد الأدوية ووقف التحويلات الطبية والآن التقاعد القسري.
مقابل كل هذه المخاوف تجد وزارة الصحة نفسها عاجزة عن فعل شيء يحل الأزمة، د.أشرف القدرة يقول بأسف :"نحن أمام مشهد قاسي يحتاج إلى خيارات قاسية، وربما نصل إلى مرحلة يتعذّر فيها تقديم الخدمات الصحية للمرضى في برامج بعينها".
وربما هذا ما جعل وزارة الصحة في غزة تتجه نحو ما أسمتها "خطة الدمج" التي وإن اعتبرتها إدارة أزمة، إلا أن ملامحها التي لم تتضح كثيرًا تنذر بالكثير من المخاوف على مصير مرضى قطاع غزة.
يقول د.القدرة :"في خطة الدمج سوف نستثمر الطواقم الطبية المتوفرة لاستدامة الخدمات الطبية، أي خطة تقشّف في الكادر البشري واستثمار أمثل للطواقم، وهذا سيؤثر على المراكز الصحية والمستشفيات مما يضطرنا إلى دمج العديد من الخدمات أو المراكز الصحية".
عودة إلى صالة الانتظار في مستشفى الرنتيسي وحديث الناس الذي لم يتوقف حول احتمال تقاعد الأطباء المشرفين على علاجهم، وشكواهم من احتمال تحويل ملفاتهم الطبية لأطباء آخرين قد لا تتوفر فيهم ذات الكفاءة أو ربما الاتجاه نحو العيادات الخاصة للأطباء ما يزيد الإرهاق المالي الذي يعانوه ويجعل أزماتهم مضاعفة.
لكن الأزمة تفتح أسئلة إضافية حول هذا الاستغلال السيء من قبل الساسة في فلسطين للمرضى ومعاناتهم في تصفية خصومات سياسية ومصلحية ليسوا طرفًا فيها، بل والتعامل معهم كورقة ضغط دون تفكير بأرواحهم ومستقبل عائلاتهم.
























