شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 11 يوليو 2026م08:43 بتوقيت القدس

لماذا يرفض الفلسطينيّون قانون الجرائم الإلكترونية؟

23 يوليو 2017 - 22:56
شبكة نوى، فلسطينيات:

فلسطين المحتلّة - نوى

لم تعد شبكات التواصل الاجتماعي "افتراضيّة"، بل هي حقيقيّة، ومؤثّرة أكثر ممّا يمكن للمرء تخيّله. فهل يشكُّ أحدٌ بأن الإنترنت بات المتنفّس شبه الوحيد للأفراد؟ لدرجة أرهبت الحكومات من كيفية استخدام هذه الشبكات، ودفعت بها إلى إقرار قوانين تحت مسميّات مختلفة، أشهرها قانون "الجرائم الإلكترونيّة" في فلسطين المحتلّة، سيمّا وأنه أثار جدلًا واسعًا فور الإعلان عنه.

بدأت القصّة في الحادي عشر من تمّوز/يوليو، عندما نشرت جريدة الوقائع الفلسطينية الرسمية الصادرة عن ديوان الفتوى والتشريع،  قرار قانون الجرائم الإلكترونية الذي يحتوي على (61) مادة تم تناولها في (31) صفحة، تبدأ بتعريف عدد من الكلمات والعبارات، وانتهت بإلزام الجهات المختصة بالبدء بتطبيق القانون فور نشره بجريدة الوقائع الفلسطينية دون العودة إلى المجلس التشريعي.

تنصّ المادة (16) على سبيل المثال في البند الأوّل: "كل من أنتج ما من شأنه المساس بالآداب العامة، أو أعده أو هيأه أو أرسله أو خزنه بقصد الاستغلال، أو التوزيع أو العرض على غيره عن طريق الشبكة العنكبوتية، أو إحدى وسائل تكنولوجيا المعلومات، أو الرسوم المتحركة، يعاقب بالحبس مدّة لا تقل عن سنة، أو بغرامة لا تقل عن ألف دينار، ولا تزيد عن خمسة آلاف أردني، أو بالعقوبتين كلتيهما".

في سياق الموضوع، يعقب الناطق باسم الشرطة الفلسطينية لؤي ارزيقات، أن القرار إنما جاء لمعالجة وتنظيم الجرائم الإلكترونية في ظل التطور التكنولوجي المستمر، واستحداث أنواع لا تعد ولا تحصى من الجرائم التي يعتقد أصحابها أنهم لم ينكشفوا.

ويذكر أن معدلات الجرائم الإلكترونية بالضفة الغربية ارتفعت خلال السنوات الأخيرة، حيث بلغ عددها في العام 2015 حوالي 502 جريمة، ثم تضاعف في العام 2016 ليصل نحو 1327، وتم تسجيل ما يقارب الـ 850 بلاغ عن هذا النوع من الجرائم للنصف الأول من العام 2017.

وتتنوّع الجرائم الإلكترونية ما بين عمليات تهديد وابتزاز بصور أو محادثات بين فتيات وشبان لأغراض مادية، أو انتقامية وبين عمليات نصب وتزوير واحتيال أو إساءة وتشهير وقذف والكثير غير ذلك، مؤكدًا أن جهاز الشرطة كان قد أسس وحدة مكافحة الجريمة الالكترونية وهي تعمل ضمن نطاق عمل إدارة المباحث العامة، حيث تزويدها بمتخصصين تتابع القضايا والشكاوى حال رفعها.

وفي تجربة شخصية  مع قصّة الابتزاز حدثت قبل نحو عام، تقول "سها" التي رفضت الكشف عن اسمها كامل، إنها لجأت إلى جهاز الشرطة الفلسطينية بالضفة الغربية لتقديم شكوى ضد شاب ابتزها مقابل مبلغ مادي، بعدما حصل على صورها وتم القبض عليه بعد جهود واسعة حيث تم التعامل مع القضية بإجراءات صارمة في البداية، إلى أن تدخل وسيط له وزنه بالسلطة وتم الإفراج عن الشاب  - وفق رواية الفتاة -.

وتضيف سها أنه تم الكشف فيما بعد أنه يعمل بشكل فعلي كـ "مبتز" للفتيات، بعدما قامت فتاة أخرى بفضحه بطريقة ما، وتم تداوله صوره على مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدة أنه تم القبض عليه أكثر من مرة إلا أنه كان يخرج بكفالة مالية ولم ينفك عن ممارسة مهنته.

وتتابع الفتاة أن القانون لن يفيد بشيء وإنما أتى للتضيق على الحريات العامة تحت بنود فضفاضة غير واضحة تتعلق بالابتزاز الإلكتروني مثلا وجرائم أخرى لن تطبق عقوبتها على جميع المجرمين، سيما أن غالبية بنوده تتعلق بفرض رقابة غير مباشرة على ما يورده النشطاء والصحافيين في الفضاء الإلكتروني.

بذات السياق، يقول حقوقيون، إن بعض هذه المواد تميّزت باستخدامها مصطلحات فضفاضة، يُمكن للأجهزة الأمنية والقضاة تفسيرها كما يشاؤون، مثل "المساس بأمن الدولة"، و"تهديد السلم الأهلي"، وهي التهم التي وُجهت لصحافيين سابقًا بسبب منشورات وتقارير صحافية.

يتيح البند الثاني بنفس المادة معاقبة كل من أنشأ موقعًا أو تطبيقًا أو حسابًا إلكترونيًا أو نشر معلومات على الشبكة الإلكترونية، أو إحدى وسائل تكنولوجيا المعلومات تدعو إلى تسهيل برامج وأفكار تروّج لما من شأنه المساس بالآداب العامة.

وتشير الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان ديوان المظالم، في كتاب أرسلته للرئيس الفلسطيني محمود عباس حول القانون، أنها تتحفظ على النصوص الواردة في القرار بقانون والتي تشمل عبارات عامة وفضفاضة يمكن استخدامها في التوسع بشكل كبير في افعال والتضييق على حرية التعبير، أبرزها المادة (16) مطالبين بالوقف الفوري لتطبيقه وإعادته للتشاور مع مؤسسات المجتمع المدني وعلى رأسها نقابة الصحافيّين.

وفي نموذج آخر، تنص المادة 31 من القانون: "يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر وبغرامة لا تقل عن خمسمائة ولا تزيد عن ألف دينار أردني، كل من قام باستخدام أنظمة أو موقع أو تطبيق الكتروني لتجاوز الحجب المفروض بموجب أحكام هذا القرار بقانون".

بحسب تقرير صدر عن المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية فقد "ارتفع عدد الانتهاكات الفلسطينية ضد الحريات الاعلامية خلال شهر حزيران بشكل غير مسبوق وبصورة كبيرة مقارنة بالشهور التي سبقته، حيث بلغت 41 انتهاكًا وقع القسم الأكبر منها في الضفة الغربية ( 34 انتهاكًا) في حين سجل ما مجموعه 7 انتهاكات في قطاع غزة".

ويشير التقرير إلى أن الارتفاع الملموس في عدد الانتهاكات الفلسطينية ضد الحريات الاعلامية جاء "جراء حملة حجب واسعة استهدفت مواقع الالكترونية إخبارية مقربة أو تتبع أو تؤيد حركة حماس والقيادي المفصول من حركة فتح محمد دحلان نفذتها السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية".

وتحدّث الكاتب عبد الستار قاسم عن ما أسماه "بطلان قانون الجرائم الإلكترونية" قائلًا إن القانون: "غير قانوني وغير شرعي"، مضيفًا أن من يقرأ القانون يجد أن الهدف منه تقييد حرية التعبير ومنع الناس من تداول المعلومات والنقاش الحر حول مختلف القضايا المحلية والدولية، وهو يقوي هيمنة الأجهزة الأمنيّة ويشدد إجراءاتها ضد الناس".

ويشير إلى أنه قد تمت صياغة القرار بطريقة غير قانونية وتحتمل الكثير من التأويلات والتفسيرات، وهو بذلك يرفع من هامش سيطرة السلطة التنفيذية في تفسير الأمور كما ترى مريحًا لها. موضحًا "رئيس السلطة المنتهية ولايته منذ 2009 استغل النص الخاص بإصدار قرارات بصفة قانونية، ليصدر ما يشاء من قرارات تأخذ صفة القانون. وهذا عمل غير مقبول قانونيا وعرفا، ولا يقبله منطق إنساني، ومنذ عام 2009 وهو يستغل غفلة الناس وإهمال القانونيين، وغياب ردود فعل القضاة ومجلس القضاء الأعلى. هذا غبن للناس واستغباء لهم".

وأثار القانون حفيظة الصحفيين والحقوقيين لمسه حرية الرأي والتعبير، وخاصة أنه يقييد حرية النشر على مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية، ويخضعها لمراقبة الأجهزة الأمنية الفلسطينية.

كاريكاتـــــير