غزة-نوى:
ما إن غادر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المنطقة العربية عقب حضوره قمة الرياض؛ حتى اندلعت أزمة حادة بين قطر والإمارات، تدحرجت سريعًا فطالت الملف الفلسطيني، والحقيقة أن الخلاف بين البلدين النفطيين بدأ هادئًا منذ سنوات نظرًا لاختلاف الرؤى السياسية لكليهما في المنطقة، فبينما تدعم قطر الإخوان المسلمين تلتزم الإمارات النقيض.
ويؤكد محللون لنوى إن هذا الخلاف سيؤثر حتمًا على الملف الفلسطيني، فبوادره ظهرت مع تخفيف حركة حماس لتواجدها في قطر، والذي أثار جملة من التكهنات حول خيارات حماس المقبلة على الرغم من نفي الناطق الإعلامي للحركة حسام بدران أن تكون الدوحة قد طلبت مغادرة عددًا من الكوادر.
يقول الكاتب والمحلل السياسي حسام الدجني إن الصدام كان خفيًا بين البلدين في العديد من المشاهد السياسية، كان آخرها انفصال الجنوب اليمني، فقطر ساهمت في إفشال المدعوم من الإمارات، وأيضًا ارتباطها بجماعة الإخوان المسلمين وحماس بما يعارض التوجهات الإماراتية، وبرز على السطح باختراق موقع وكالة الأنباء القطرية ونسب تصريحات للشيخ تميم واختراق بريد السفير الإماراتي في الولايات المتحدة.
ويرى الدجني أن الصراع بدأ يأخذ منحى جديدًا وهذا ينعكس على مجلس التعاون الخليجي ككتلة إقليمية موجودة في الخليج العربي ومؤثّرة في السياسة الإقليمية خاصة بعد تراجع دور الجامعة العربية، كما أن ضعف قدرات الدول العربية واستنزافها سيجعل القضية الفلسطينية ليست أولوية لكلا البلدين، ولباقي الدول التي تدخل في أتون خلافات المشهد الخليجي، وسيكون هناك تراجعًا لمكانة القضية الفلسطينية وربما الانصياع للمطلب الأمريكي بعد أن وصف حماس بالإرهاب فهي جزء من النظام السياسي الفلسطيني وهذا بالتالي يعطل المصالحة.
وحول الطلب القطري بمغادرة مجموعة من كوادر حماس نوّه الدجني إلى النفي الوارد على لسان بدران، معتبرًا أن قطر لا تستغني عن ورقة حماس، فدولة تمتلك رؤية في السياسة الخارجية لن تتخلى عن حركة وازنة تمنحها مكانة سياسية وأخلاقية، ولكن ربما تكون طلبت تخفيف تواجد بعض الكوادر وليس إنهاء.
حول انعكاس الأزمة على العلاقة بين تيار النائب في المجلس التشريعي الفلسطيني محمد دحلان وحماس خاصة مع قرب دحلان من الإمارات، يعتقد الدجني أن حماس ستحاول أن تكون يدها ممدودة للجميع ولا تخسر أحدًا وأن تتبع دبلوماسية بعيدة عن الاصطفاف والتمحور والتموضع بما يضمن لها علاقات واسعة ومن بينهم النائب دحلان.
أما عن خيارات الحركة في المرحلة المقبلة يرى أن حماس ذكية بحيث تعتبر الانفجار المسلح آخر الخيارات، لكنها ستبحث عن علاقات دبلوماسية مع القاهرة على وجه التحديد بما تملكه من ثقل وربما لاستمزاج آراء الدول العربية حول تصريحات ترمب، لكنه ينصح حمسا بالصمت الإيجابي في المرحلة الحالية.
يتفق مع رأيه الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله الذي يرى أن خطاب الشيخ تميم –المشار إليه سابقًا- صب الزيت على نار كانت موجودة بين البلدين كون قطر داعم رئيسي لجماعة الإخوان المسلمين عكس الإمارات، فالخلافات كانت هادئة عززها تصنيف ترمب في قمة الرياض ووضع حماس والقوى الأخرى في خانة الإرهاب بالتالي جعل الدول العربية ومن بينها الإمارات يشعرون بنوع من القوة في مواجهة قطر وهذا الذي فجّر المواجهة.
ويعرب عطا الله عن أسفه للطلب القطري بمغادرة كوادر من حماس، معتبرًا أن هذه التطورات تنعكس سلبًا على الداخل الفلسطيني وطبيعة التكتلات السياسية، لأن قطر قريبة من حركة حماس وفتح قريبة من تيار في حركة –تيار دحلان- بالتالي ينعكس على موازين القوة في الداخل الفلسطيني.
وشدد على ضرورة استعجال المصالحة فكوادر حماس يجب أن يكونوا في الداخل ويعودوا إلى قطاع غزة، فالسيد موسى أبو مرزوق سبق له أن تواجد في قطاع غزة، وهنا فالمصالحة مخرج مهم للجميع.
واستبعد عطا الله أن تكون هذه التطورات تصب في صالح تيار دحلان معللًا بأن أبو مازن ما زال يمثل الشرعية الفلسطينية والإمارات جزء من تيار المؤسسة العربية الرسمية، لكنه أعرب عن خشيته من انعكاس الأزمة على تيار دحلان وحركة حماس في قطاع غزة.
أما الباحث في الشؤون السياسية عماد محسن، فيعتقد أن الخلاف القطري الإماراتي قديم ومرتبط أساسًا بالمواقف المعلنة لكلا البلدين من الاخوان المسلمين، ففي الوقت الذي ترى فيه ابو ظبي أن هذه الجماعة لا تحمل للدول التي تترعرع فيها إلا النكبات، تعتقد الدوحة أن هذه الجماعة ينبغي أن تأخذ دورها في المجتمعات العربية كنموذج لوسطية الدين في مواجهة التطرف.
ويضيف محسن :"صحيح أن البلدين يدوران في الفلك الأميركي، كلٌ على طريقته؛ لكنهما استمرا على الدوام طرفي نقيض في المعادلة الإقليمية، وأبرز الأدلة على ذلك موقفهما من الخلافات الداخلية الفلسطينية، ففي الوقت الذي تستضيف فيه الدوحة قيادة حركة حماس نجد أن أبو ظبي تستضيف القيادة الشابة في حركة فتح والمتمثلة بالنائب محمد دحلان، وبالطبع فإن أي تصاعد للخلاف بين البلدين سيؤثر حتماً على علاقتهما بالأطراف الفلسطينية صعوداً أو هبوطًا".
ويرى محسن أن خيارات حماس هي المزيد من المناورة، والمقصود هنا اللعب على وتر التناقض السعودي الإيراني، ومواصلة التغزل بمصر من وقت لآخر، على أمل الخروج من عنق الزجاجة، أما بشأن العلاقة مع النائب دحلان، فهو مسالة فلسطينية داخلية، ليس لها علاقة بالخلافات الإقليمية، لأن حماس تعلم الحاجة الوطنية إلى المصالحة المجتمعية وتعلم كذلك أن علاقتها بالنائب دحلان ستكون بوابتها للعلاقة بالإقليم في الوقت المناسب، لذا لن تتغير سياستها بإبقاء الباب موارباً في العلاقة مع دحلان وتياره.
























