غزة-نوى:
تنهّدت الحاجة أم عبد المنعم الشنطي، وأطلقت زفيرًا طويلًا لدى سؤالها كيف كانت تحتفل قرية "الجية" بقدوم رمضان قبل النكبة عام 1948م، استندت إلى ظهر الكنبة التي تجلس عليها وهي تقول "إييييييييييييه، ساق الله ع أيام البلاد كانت أحلى وأبسط وهداوة بال".
تجمّعت حفيدات أم العبد حولها لسماع الرواية التي لا تتوقف الحاجة السبعينية عن سردها بين حين وآخر، تحكي لهن ذكريات القرية المبنية من الطين، والتي كانت تشتهر بالزراعة إذ يأكل الناس من خير أرضهم، أما البضائع الأخرى فيتم شراؤها من مدينة المجدل أو مدينة غزة.
أما عن رمضان فله طقوسه البسيطة، تقول أم العبد:"وعيت على رمضان أيام البلاد، كان شيخ القرية اسمه حمدان عابد يتحرى هلال الشهر عن سطح أحد البيوت، في الصيف تكون الرؤية واضحة، فيعلن هو شهر الصيام، أما في الشتاء وعندما لا تكون الرؤية واضحة تصله برقية من مصر فيعلن للقرية وكذلك عند تحرّي هلال العيد".
تقع قرية الجيّة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، تبعد عن مدينة غزة 20 كيلو مترًا وهي إحدى قرى قضاء غزة قبل الاحتلال الإسرائيلي لها، تبلغ مساحة أراضيها 8500 كم، أما عدد سكانها وقت الهجرة فكان 1427 نسمة.
كان التحضير للشهر الفضيل في الجيّة يبدأ قبل عدة أيام من قدومه، اعتاد الناس هناك السحور على الجبنة واللبن والتمر وحلاوة الطحينة وقمر الدين والخضروات الطازجة والبطيخ والشمام، لم يكن الناس يحتاجوا لشراء الأجبان والألبان والخضراوات، فكلهم مزارعون ولديهم "دواب" ومزروعات، أما بالنسبة لباقي الاحتياجات مثل الحلاوة وقمر الدين فكانوا يشترونها بالأكياس من المدن القريبة قبل رمضان وتحديدًا في مواسم شهر مارس وإبريل.
تقول أم العبد :"بمجرد الإعلان عن الشهر الفضيل يبدأ الأطفال الدوران في شوارع القرية وهم ينشدوا أناشيد رمضان، لم يعرفوا حينها الفوانيس وأغاني مثل حالو يا حالو خلافًا للمدن، بل كانت هناك أناشيد تشتهر بها القرية، أما فوانيس رمضان فقط كان الأطفال يهللوا ويحتفلوا برمضان.
تختلف طقوس الجية عن رمضان حاليًا، فالرجال كانوا يفطرون في "الشق" الخاص بالعائلة -أي مضافة كبير العائلة- ، أما النساء فيفطرن في البيوت، ولكن من العادات الجميلة التي ترويها أم العبد أنه لو تصادف أن يمر أول رمضان على عائلة بعد وفاة أحد أفرادها؛ فإن الجميع يحمل طعامه ويفطر عند هذه العائلة كنوع من المؤازرة والدعم الاجتماعي لهم، كي لا يكونوا وحدهم في هذه المحنة.
سألت حفيدتها رغد "12 عامًا" عن ألعاب الأطفال بعد الإفطار، فردّت جدتها:"نعم؛ كان في أرض واسعة اسمها أرض ازريق يلعب فيها الأولاد أما البنات فكانوا يلعبوا الحجلة ويهتفوا أثناء اللعبة "يا شلعب يا ملعب واللي ما تيجي تلعب تحط في حلقها حبة طحين".
أما الأمهات فكما تؤكد أم العبد يجلسن على باب البيوت الطينية البسيطة بعد الإفطار حتى السحور يتحدثن ويتابعن الأطفال أثناء اللعب، كان وقت بعد الإفطار مخصص للعجين وخبز الطين، أما السيدات اللواتي تمتلك عائلاتهن "دوابًا" فكانوا يقدمون الحليب والكشك والجبجب للسيدات اللواتي لا يمتلكنها-الكشك والجبجب هي من المأكولات التي يتم عجنها باللبن".
"رمضان زمان كان أحلى"، هكذا اختصرت أم العبد باقي الحكاية"، ثم عادت لتتنهد وتقول:"إييييييييه، على أيام ما كنا نعبي الميا من البير في الجرار، وتضل متلجة"، حسب أم العبد كان الناس يستعدوا لشهر رمضان بشراء جرة جديدة للمياه "أي أواني فخارية"، وفي نصف الشهر يشتروا جرة أخرى لأن الجديدة أفضل في تثليج المياه.
كان عدد قليل من رجال القرية يجيدون القراءة، بالنسبة لمن يستطيع ذلك كانوا ينادونه لقراءة الجريدة للرجال، رغم أن الانتداب البريطاني لم يكن يسمح بذلك، وحين دخل الراديو القرية، امتلكه عدد قليل جدًا من الناس، لأن من يمتلك راديو كان الانتداب البريطاني يعاقبه.
تضحك السيدة المسنّة وهي تتذكر أول مرة شاهدوا فيها الراديو وسمعوا صوتًا يخرج من هذا الجهاز الجديد فتقول :"نادت النساء بعضهن ليشاهدوا الراديو كيف يصدر أصواتًا وزغاريد، وتساءلوا وهم يضحكون مين بيحكي؟" ثم علت ضحكتها أكثر وهي تقول:"كل شيء جديد غريب، الآن التكنولوجيا فعلت ما لم نكن نتوقعه".
لم يكن لدى الناس هناك أكلات مفضلة، فكل شيء متساوٍ بالنسبة لهم، أما الحلويات فكانوا يخصصون "المطبّق" لرمضان "أي الفطير المشلتت" –رقائق من الدقيق مدهونة بالسمن يتم حشوها بالمكسرات خاصة البندق الذي كان متوفرًا بكثرة في البلدة ووضع العسل عليها".
عادت حفيدتها رغد لتسألها عن بيوت الطين فأجابت:"بيوت الطين ليست كما تتصوورن؛ فالطين يكون مجبولًا بالقصل- أي عقدة القمح التي تتبقى بعد ضرسه- وهي متماسكة جدًا ويتم عجنها مع الوبل أي التراب، فتصبح بعد سقف البيت بها شديدة الصلابة تمامًا مثل الباطون في هذه الأيام، لا تتأثر بالمطر ولا الحر.
إلا أن الحاجة تتذكر جيدًا أن نساء القرية كانوا يشاركن في أعمال بناء البيوت، فالرجال يقومون بمهمة عجن الطين والنساء يقمن بسقف البيوت بها حتى تنتهي عملية البناء، وليس كما هو موجود اليوم، إذ لا تشارك المرأة في هذه الأمور.
























