القاهرة-نوى:
لم يكن طريق السباكة المصرية سهام الموغازي "62 عامًا" سهلًا حين قررت العمل في هذه المهنة التي اعتاد المجتمع العربي أن تكون حكرًا على الرجال؛ واجهت السيدة الكثير من المعوقات التي تحدّتها وتخطتها حتى أصبحت سبّاكة ذائعة الصيت، بل وتحمل حلمًا تسعى لتحقيقه.
تقول السيدة سهام وهي أم لثلاثة أبناء وجدة لـ11 حفيدًا :"لا يوجد مهنة صعبة، كل شيء ممكن بالتجربة والمحاولة، واجهت مشاكل من زملائي السباكين ولكن بمرور الوقت أصبحت الناس تقبل عليّ"، وتؤمن أم باسم أن المرأة حين تخوض مهنتها يجب ألا تشعر بالخجل، بل عليها المثابرة لإثبات ذاتها.
تسكن أم باسم في حي الدرب الأحمر، أحد الأحياء شديدة الاكتظاظ بالسكان في محافظة القاهرة والذي يحتضن نحو 65 أثرًا تاريخيًا أبرزها الجامع الأزهر، وعلى باب كراجٍ أسفل بيتها المتواضع في شارع اسمه سوق السلاح ولا علاقة له بأي سلاح؛ تضع أم باسم بكل ثقة يافطة مكتوب عليها :"السبّاكة أم باسم" مرفقة برقم هاتفها.
بداية الحكاية
كانت سهام أكبر الإخوة السبع لأسرة بسيطة، تقاسمت مع والدها المسؤولية عقب تخرجها بدبلوم تجارة، فعملت معه في مهنة دهان المعادن؛ رغم رفضه في البداية، وهذا لم يتناقض مع مشاركة مواصلة سهام مسؤولية رعاية البيت والإخوة برفقة والدتها؛ ما جعلها إنسانة عالية الإحساس بالمسؤولية والصبر.
تزوجت سهام وسافرت للكويت وعملت هناك، ثم عادت إلى مصر لتعمل في شركة لفترة ليست طويلة، تغيّرت حياتها حين انفصلت قبل نحو 20 عامًا؛ فكان عليها الإنفاق على بيتها، فأخذت بالبحث عن عمل.
تقول أم باسم بصوتها القوي ونبرتها الحادة:"لم أخجل من أي عمل، جربت العمل في مهنة الكوافير، وحاولت العمل في الخياطة، كلها كانت مهن مؤقتة، أخبرتني صديقة عن مؤسسة تقدم تدريبًا مهنيًا وهذا ما كنت أبحث عنه، ذهبت للمؤسسة؛ وإذ بالتدريب حول السباكة وللرجال فقط".
شخصية أم باسم لم تسمح لها بأن تعمل في مهنة تحت قيادة أحد؛ فهي إنسانة اعتادت الاعتماد على نفسها، لفت انتباهها أن جميع الموظفين ينتظرون رواتب ويضطرون للدوام؛ إلا من يعملون في العمل الحر، فالكهربائي يدخل البيت يصلح الكهرباء ويحصل على حقه ويغادر، وكذلك الأمر بالنسبة للنجار، وكذلك بالنسبة للسبّاك، وهي أرادت لنفسها مهنة حرّة مثل هذه المهن، ولم تخطر السباكة على بالها.
سِباكة!!
عندما علمت أم باسم من الموظف في المؤسسة أن التدريب هو للسباكة طلبت منه شرحًا، فأجاب أنه مشروع تدريب مهني للقضاء على البطالة، فقالت: "إذن ينفعني"، فقال إنه للرجال:"قالت وما الفرق؛ هل جربتم النساء، قال ستواجهين مشاكل؛ قالت سأحلها، ردّ :"المهنة شغل مواسير مياه وصرف"، أجابت:"والنساء هن الأكثر استخدامًا لهذه المرافق؛ بالعكس أنا الأقرب لفهم ومعرفة ما يريح ست البيت".
بعد المراجعة اضطرت المؤسسة لفتح باب التسجيل للجنسين؛ تقدم للوظيفة 30 امرأة، تمت الموافقة على ثلاثة منهن، انسحبت اثنتين وبقيت أم باسم وحدها.
واجهت السيدة الكثير من المشاكل من قبل زملائها الذين رفض بعضهم وجودها، حتى أن المحاضرين لم ينادوا اسمها ضمن كشف الحضور متجاهلين وجودها، لكنها كانت تراجع المحاضر وتصرّ على أن ينادي اسمها فهي عادة تكون أول الحاضرين.
أما زملائها فقد حاولوا إحراجها في أكثر من موقف لكنها كانت ترد بقوة بل وبالإحسان، كانت تحرص على الحضور مبكرًا لتبدّل ملابسها وترتدي لبس السباكة قبل وصول الزملاء، وعقب التدريب تدخل أولًا لتبديل ملابسها بسرعة كي لا يتضايقوا، لكن حدث ذات مرة أن انتهى التدريب فدخل مجموعة منهم لتبديل الملابس قبلها بغية إحراجها، فما كان منها إلا أن غادرت المكان عائدة للبيت بملابس السباكة.
عرف أبناؤها أن أمهم تتلقى تدريب السباكة فرفضوا الأمر، حتى أن ابنتها هددت بإلقاء نفسها من النافذة، ولكنها أصرت على المواصلة.
خوض المهنة
تخرجت أم باسم من التدريب الأولى على دفعتها؛ وكان عليها خوض المهنة، فبدأت بالتصليح لبيوت المنطقة مجانًا كي تصنع لنفسها اسمًا بين السبّاكين، كانت تذهب بشكل دائم لبائع أدوات السباكة عرف أنها تعمل في هذا المجال، فطلب منها العمل معه، اتخذت في مرحلة من المراحل القهوة المجاورة للمحل لتجلس عليها حتى عرفها صاحب القهوة وبدأ بتعريف الناس عليها.
واجهت أم باسم مشاكل في البداية عندما كان الناس يصرون على سبّاك رجل، والبعض قال ولم لا فلنجرب، واجهت كل هذا بإتقان عملها كي يتأكد الناس أنها بالفعل لا تختلف أبدًا عن الرجال في عملها، فهي تعمل بنفس الأدوات وتستخدم نفس القطع التي يستخدمها السبّاكون وبذات الإتقان.
بمرور الوقت باتت أم باسم معروفة وأصبحت سبّاكة مشهورة بل إن البعض يفضلها لأن هناك سهولة في التفاهم بينها وبين النساء، تقول أم باسم:"حصدت نتيجة صبري وأصبحت سبّاكة مشهورة، ولكن ما زال المجال صعبًا أمام النساء، فهن يترددن في خوض هذه التجربة".
حين حاولت أم باسم تدريب شابة صغيرة على مهنة السباكة، واجهت الشابة انتقادات لم تصمد أمامها، بل إن البعض أطلق مفردات قاسية وقالوا"أم باسم تريد عمل مافيا من النساء السباكات"، لكن السيدة ما زالت تطمح لأن تؤسس مدرسة تدريب مهني للنساء السباكات تقوم من خلاله بتدريبهن وتعليمهن مهنة مهمة ومجدية وهي أقرب للنساء حسب قناعتها.
أما أحفادها فهم في غاية الفخر بجدّتهم، حتى أن حفيدتها تسنيم "11 عامًا" ترى فيها نموذجّا وقدوة وتعتقد أنها امرأة قوية وان كل الفتيات يجب أن يكونوا قويات مثل جدتها.
























