أحدث التصويت بنعم على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي زلزالاً رج القارة العجوز برمتها. وأخرج التفاعلات التي تمور في كل بلدانه من الخفاء إلى العلن. كانت ردات الفعل داخل كل بلد أوروبي وفي العالم تعلن عن وقوع حدث من الوزن الثقيل والنوعي. لا أحد يعرف ما ستؤول إليه أوضاع أوروبا بعد انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي. النتائج المباشرة والراهنة للانفصال قد لا تكون كبيرة ومؤثرة، لكن تداعيات الانفصال وتأثيراته اللاحقة هي الأخطر والأهم. ما يحدث الآن في أوروبا يطرح أسئلة كبيرة وعديدة. فهل يدشن الانفصال البريطاني عن الاتحاد الأوروبي وتداعياته الحلقة الثانية من الأزمة الاقتصادية الرأسمالية التي تفجرت في العام 2008؟ التقدير الأولي يسمح بالقول: من المنطقي أن الأزمة التي لم يصار إلى تجاوزها والحد من تفاعلاتها التدميرية، ستستفحل أكثر وستظهر مفاعيلها على السطح بعد 8 سنوات من محاولات معالجتها، ولتكشف أن قدرة النظام الرأسمالي على تجاوز أزماته في ظل العولمة المتوحشة كانت محدودة خلافا للازمات والقدرات السابقة، وخلافا لرؤية المفكر الرأسمالي فرانسيس فوكوياما في كتابه الشهير «نهاية التاريخ» الذي تحدث فيه عن الانتصار الحاسم للنظام الرأسمالي. والسؤال الآخر المثار بقوة: كيف ستنعكس الأزمة الجديدة على النظام الدولي بأقطابه ومحاوره وأولوياته؟ والتقدير الأولي يسمح بالإجابة نعم، بل ومن المرجح أن تتغير الاصطفافات جريا وراء المصالح والمنافع الراهنة في شروط التوحش السائدة. بعد خروج نتائج الاستفتاء المؤيد لانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، عَبَّر المبتهجون عن انتصارهم وسعادتهم الغامرة بهذا الحدث التاريخي، وهم مجموعة أحزاب قومية عنصرية وفاشية، كان في مقدمتهم المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية «دونالد ترامب» المتطرف اليميني المعروف بمواقفه العنصرية، وماري لوبان زعيمة الجبهة القومية في فرنسا التي أطلقت صرخة «النصر للحرية» وحزب استقلال بريطانيا بزعامة «نايجل فاراج»، وتنظيمات مماثلة في النمسا واليونان والمجر وهولندا، وجلهم دعا إلى الانسحاب من الاتحاد الأوروبي وإعلان فصل الختام على تجربته الفاشلة. مقابل ذلك، وقع ملايين البريطانيين على عريضة تطالب بإعادة إجراء الاستفتاء مرة أخرى، وهددت إسكتلندا وإيرلندا الشمالية وجبل طارق بالانفصال عن بريطانيا رداً على انفصالها عن الاتحاد الأوروبي، ولطالما أن الوحدة والانفصال يتحققان بالاستفتاء، فإن لدى هذه البلدان أكثرية حاسمة تسمح لها بالانفصال عن بريطانيا. بلدان أوروبية عديدة عارضت انفصال بريطانيا. بعضها جاء موقفه انسجاما مع مصالحه المعبر عنها في صيغة الاتحاد، والبعض الآخر يخشى من إعادة الاستقطاب خارج الاتحاد بين الدول الأقوى اقتصادياً، الأمر الذي سيعرض اقتصاد الدول الضعيفة للانهيار. والاستقطاب من جهة أخرى قد يسمح لروسيا بإعادة استقطاب بلدان من أوروبا بشكل وبآخر. الاستقطاب بين مواقف أحزاب قومية وعنصرية وفاشية مؤيدة لإلغاء الاتحاد الأوروبي على قاعدة العداء للاجئين وللأقليات والطبقات الشعبية، وبين المراكز الاقتصادية والاحتكارات التي تستخدم الاتحاد لمعاظمة الأرباح، ثنائية، لا يشكل أي من قطبيها مخرجاً للازمات الطاحنة، بل هما جزء من الأزمة. الاستفتاء البريطاني الذي تقف خلفه كتل اقتصادية مهيمنة وتعبيرات سياسية تطلق خطابا شعبوياً مضللاً، يعبر عن أزمة عميقة ومستفحلة. تلك الأزمة التي عجز الاتحاد عن حلها أو التخفيف من تداعياتها، وكان من اخطر تجلياتها صعود اليمين العنصري إلى المشهد السياسي ومنافسته القوية على مقاليد الحكم. إن هذا يطرح رؤية الأزمة بمعزل عن الاستقطاب بين قطبيها، أي خارج المؤيدين لبقاء الاتحاد والمؤيدين للانسحاب منه. وإعادة طرح أي اتحاد يعبر عن مصلحة الشعوب الأوروبية؟ الاتحاد كما يقول اليسار الأوروبي، عَبَّر عن مصالح الشركات الاحتكارية الملتزمة بسياسة نيوليبرالية التي كانت عنوانا للإفقار والأزمات المتلاحقة. وقد قامت المراكز الاقتصادية المتنافسة بتضييق الخناق على الفئات الاجتماعية الدنيا والعمال والطبقة الوسطى، مقابل تأمين أجهزة مشتركة لخدمة الأسواق وضمان الأرباح، ما أدى إلى ارتفاع البطالة وانخفاض التأمين الاجتماعي وإقصاء أو تهميش الملايين، فضلاً عن صعود اليمين العنصري. واعتمدت الشركات الاحتكارية بغطاء الاتحاد الأوروبي سياسة نهب وهيمنة وتدخلات استعمارية في بلدان إفريقيا وآسيا، وتحالفت أو دعمت أنظمة مستبدة لقاء النهب وكان من نتائجها صعود الأصولية الدينية التي تمارس الإرهاب، وانفجار حروب أهلية بين الأصوليات والأنظمة المستبدة أدت إلى كوارث إنسانية ولجوء ملايين الشعوب إلى بلدان أخرى بما في ذلك بلدان أوروبا. ولم يعتمد الاتحاد الأوروبي سياسات مستقلة عن الموقف الأميركي، وبقيت مواقفه ملحقة بالسياسة الأميركية التي همشت السواد الأعظم من دول الجنوب. كما نرى فإن الاتحاد الأوروبي لم يكن معافى وعلى ما يرام قبل الاستفتاء البريطاني، كان يترنح في أزمات، أفضت إلى التقشف وتهميش الملايين وصعود اليمين العنصري المتطرف. بقي السؤال: ما هو تأثير تصاعد أزمة الاتحاد الأوروبي على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟ لم يكن مستوى تمايز الاتحاد الأوروبي عن المواقف الأميركية كبيرا. بقيت مواقفه لصيقة بالمواقف الأميركية ولم تخرج عن طوع السياسة الأميركية في كل المراحل. حتى المبادرة الفرنسية كانت بإجازة أميركية كما اعتقد داعية السلام الإسرائيلي أوري أفنيري. وكانت المواقف المتميزة لا تصمد طويلا أمام الضغوط الأميركية والإسرائيلية. كالموقف من الاستيطان ومقاطعة السلع المنتجة في المستوطنات والاستثمار في مناطق (ج) وفي التصويت في مجلس الأمن والجمعية العامة وبعض المؤسسات الدولية، إضافة للدعم المالي. لم ترق المواقف المميزة إلى سياسة مستقلة ضاغطة على دولة الاحتلال. والسبب لا يحتاج إلى ذكاء. فالمراكز المهيمنة وتعبيراتها السياسية التي أمنت الأسواق والأرباح للشركات الاحتكارية في بلدانها وساهمت في تهميش وإقصاء الملايين والتي تكتفي بالخطابات البروتوكولية هي نفسها التي لا يهمها الذهاب بعيدا في دعم الشعب الفلسطيني لإنهاء الاحتلال وتقرير المصير، ولا يهمها إيصال مواقفها الأقل شأناً كمقاطعة سلع المستوطنات إلى نهاية سعيدة. مواقف الاتحاد الأوروبي وآلية تنفيذها البيروقراطية تتفق إلى حد كبير مع مواقف الجامعة العربية التي تظل حبرا على ورق ولا تحاول الاصطدام مع الموقف الأميركي حتى وهو في حالة انكفاء. التأثير السلبي المحتمل على الوضع الفلسطيني هو تراجع الدعم المالي رسميا وتراجع دعم المنظمات غير الحكومية. أما انعكاس تراجع الاتحاد الأوروبي وتبدل الاستقطابات داخله على دولة الاحتلال الإسرائيلي، فلن تتبدل كثيرا سواء بقي الاتحاد أو انقسم. قد تتضرر إسرائيل اقتصاديا بفعل الأزمة الاقتصادية، سيما وأن أوروبا هي السوق الرئيس للصادرات الإسرائيلية. [email protected]























