حسناً، لقد أعلنت اللجنة المنظمة للاستفتاء على علاقة بريطانيا بالاتحاد الأوروبي عن إقبال هائل على التصويت ونصر بفارق ضئيل لمعسكر «البريكست»، أي الرحيل عن الاتحاد. وباستثناء بعض العواطف التلقائية والانفعالات، التي ربما زاد من لهيبها تأثير الكحول والسهر طوال الليل لمتابعة النتائج، فإن الأمة البريطانية لم تعش يوم الجمعة يوم فرح، بقدر ما كان لها يوم ذهول وحيرة وتوجس ومرارة.
لا الفائزون أحسوا بنشوة نصر ولا الخاسرون أحسوا بأنهم فعلاً خسروا، بل هي مشاعر تجرّع الكأس المرّ من مشهد انقسام لا مثيل له في تاريخ بريطانيا، ربما منذ أيام حرب الوردتين. هو انتصار بطعم العلقم إذن، فنصف البريطانيين الثاني غير موافق على أي إجراءات سيتخذها النصف الأول ولا يعتبرها تعبر عن طموحاته. والنصف الأول سيدخل في التزامات سياسية ومالية وسيادية دائمة قد لا يوافق عليها الطرف الثاني. هذا الاستقطاب غير المسبوق في حدته كان نتيجة حتمية، ليس بسبب مسائل بنيوية محضة كالفروق الطبقية الفادحة والانقسامات العرقية فحسب، بل لأن المواطن البريطاني وبينما هو جالس على الكنبة في ردهة بيته، انخرط - ودائماً دون أن يعلم - في مواجهة ثقافية بلا هوادة ضد مواطنيه الآخرين من خلال حرب (الصورة) على النسق الأميركي الفج. حتى خبير الإعلام الأول - الأميركي نيل بوستمان نفسه، الذي تنبأ منذ ثمانينيات القرن الماضي بخطورة الإعلام المعتمد على «الصورة» بوصفه أداة إلهاء تتغلب طبيعتها دائماً على المحتوى وتعجز عن تقديم معلومات جادة فتنتج وعياً مسطحاً، بوستمان نفسه سيتفاجأ بحجم التجهيل والمبالغات التي وظفها الطرفان كلاهما ووصلت أحياناً إلى حد الخداع الموجه: تضخيم للحقائق بعشرة أضعاف - البولنديون يتسببون بتضاعف أوقات الانتظار في المستشفيات - وشيطنة لكل ما يبدر من الطرف الآخر - أنت نازي وهو فاشي - وتسطيح يسبب الدوار لقضايا معقدة للغاية لا يصح تركها لحكم الجمهور المباشر - هل مصلحتنا في بناء علاقات أفضل مع الصين؟ -.
لقد احتلت "الصورة" في بريطانيا المعاصرة - بوصفها دولة رائدة في مجال الإعلام - كل مساحة كانت ممكنة لمناقشة الأفكار الجادة والنقاش المنطقي الهادىء، واستعاضت عنها بالمثير والمباشر والتلقائي والصاخب، فكانت النتيجة جمهوراً عاطفياً، سريع الانفعال غير قادر على التفكير بتسلسل منطقي أو تقبل آراء الآخرين. وتبدو وسائط التواصل الاجتماعي وكأنها - بسهولة التلفيق والإيجاز المخل والتواصل المستمر - قضت على ما قد تبقى من قدرة المواطنين على تفهم حقيقي وواقعي للقضايا المطروحة. وهكذا - وبالتصعيد الهائل للاستقطاب عشية الاستفتاء -، انعدم الحوار بين الطرفين واكتفيا بنقاشات كل داخل معسكره، إلى أن أفاقت المملكة المتحدة صباح الجمعة وكأنها قد انقسمت: ها نحن أمتان لا أمة واحدة، نقف كأبله يبحلق بشزرٍ في وجه أبله آخر «عبر شرخ سياسي هائل» وفق ما قاله أحد الصحافيين.
يا للهول، صار الفرنسيون أقرب إلينا من نصفنا الثاني! نتيجة الاستفتاء إذن لم تقل الكثير عن حالة الأمة غير تأكيدها على هذا الانقسام الفادح الذي سيق الشعب البريطاني إليه من خلال إعلام الطبقة المهيمنة الشديد الأدلجة وهي الطبقة التي أعمتها مصالحها وتعنتها النظري في تبني سياسات الخصخصة والنيو ليبرالية، فدفعت البلاد إلى فوضى شديدة وأزمات متتالية وتقشف ممتد. وعندما تعود البلاد إلى العمل صباح الإثنين المقبل ستكتمل أركان الجريمة إذا لم يُعد البريطانيون النظر في الأسئلة الكبرى التي طرحتها نتيجة الاستفتاء: لماذا هم قلقون من الهجرة والحدود المفتوحة؟ لماذا هم يشعرون بانعدام الثقة بالبيروقراطية في لندن وبروكسل معاً؟ لماذا عادت المشاعر الوطنية لتتأجج من جديد في عالم يزداد عولمة في كل لحظة؟ لماذا فشلت ثماني سنوات من سياسات التقشف في إعطاء المواطنين أملاً في غد أفضل فاختاروا العودة إلى جزيرتهم الصغيرة؟ لماذا يشعر مواطنو المملكة بما يفرقهم أكثر مما يجمعهم؟ لماذا بعد مئات السنوات من العيش المشترك يريد الإسكتلنديون والإيرلنديون الشماليون الاستقلال؟ لماذا هذا التفاوت الهائل بين لندن والأطراف وبين الأغنياء والمعدمين وبين العمال ورأس المال؟ لماذا تطارد الحكومة الفقراء لدفع الضرائب تاركة الحبل على الغارب للقطط السمان يتهربون من الضرائب ويراكمون العقود؟ لماذا يصل اليأس في قلب أي بريطاني لدرجة الإقدام على جريمة قتل نائب برلمان في وضح النهار؟..
بريطانيا، بخروجها من الاتحاد الأوروبي، اختارت أن تعارض التاريخ ويجب أن تستغل الوقت القليل القادم قبل الخروج النهائي بحكمة بالغة في وقفة مع الذات فتسأل نفسها: كيف وصلنا إلى هنا؟ وهذا سؤال لا يجاب عليه - بالطبع - من خلال استفتاء عام.
عن "الاخبار" اللبنانية























