غزة-نوى:
مع تزايد أزمة تلوث المياه في قطاع غزة، واضطرار المواطنين إلى شراء المياه المحلّاة، لجأ الكثير من المستثمرين لافتتاح محطات تحلية كمشاريعٍ خاصة، لكن تبقى المشكلة أن جزءًا من هذه المحطات خارج دائرة الرقابة، ما شكّل خطورة إضافية على صحة المواطنين.
نوى تفتح ملف محطات تحلية المياه ومدى مطابقتها للمواصفات الصحية والرقابة على هذه المحطات!!
فتّش عن الجودة
يبدو المواطن محمد أبو العيش( 52عاماً ) مستاءً بشدة عندما وجد المياه التي قام بتعبئتها من محطة تحلية مصفرّة اللون؛ ما اضطره إلى تفريغ الخزان كاملًا، يقول لنوى :" منذُ قرابة الخمس سنوات أملأ خزاني بالمياه المُفلترة من عربات النقل المخصصة، لكن في إحدى المرات أفرغتهُ كاملاً( 1500 لتر ) بعد تعبئته لوجود الرمل والحصى بداخله، وتحول الماء للون الأصفر ".
نوّه أبو العيش أنهُ بات يتفقد جودة مياه سيارات النقل خوفًا من تلوثها، مُعتمدًا على شكل سيارة النقل وتفّحُص عينة من الماء قبل التعبئة، فقيام كل محطة بإنتاج مياه مختلفة يؤكد غياب الرقابة حسب تعبيره.
علي المصري صاحب شركة للمياه المُحلاة غرب مدينة غزة يقول :" الطلب على المياه المُفلترة في ارتفاع بسبب تلوث المياه التي تصل للمنازل وارتفاع نسب الملوحة و نترات الصوديوم فيها".
يتابع:" محطتي مُرخصة وتعمل على نظام التعقيم في الخزانات لنزع البكتيريا والطفيليات، وإضافة نسبة الكلور لوقايتها من التلوث في ظل فقر الجودة المائية التي يعاني منها القطاع ".
يشير المصري أن عملية التحلية تحتاج إعدام (350 لترًا) مياه من (1000 لتر) للحصول على مياه خالية من الأملاح بأقل من 100 ملغم باللتر، وأن المعدل الصحي لملوحة المياه وفقًا للمعايير الفلسطينية يتراوح ما بين 1000-1500 ملغم/ لتر.
ويعترف المصري بعدم التزامه بالمعايير أحيانًا عند التعقيم، فيُخفض النسبة " قليلًا" عن المعدل المسموح ، لعدم قبول المستهلك للمياه المحلاة المُكلورة.
%5 فقط صالح
مدير مصلحة مياه بلديات الساحل في غزة منذر شبلاق يقول :" موضوع التحليّة ليس جديدًا ومن الطبيعي أن نجد مياهًا مُحلّاة مُلوثة لا تنطبق عليها الشروط القانونية، فتدّهور الجودة في المياه الموجودة أصلًا واضح من ارتفاع نسب النترات واختلاطها بمواد كيميائية تُحدث أمراض سرطانيّة وموت مفاجئ، وبناءً عليه فإن فقط 5%من مياه غزة صالحة للشرب و95% غير صالحة للاستهلاك الآدمي ".
عن الشروط القانونية لصحة مياه الشرب شرح :"حسب منظمة الصحة العالمية فإنَ تواجد نترات الصوديوم داخل المياه يجب ألا يزيد عن 50 ملغم/ لتر، فإن زادت كان المردود كارثيًا كهشاشة العظام ، فبعض المحطات فيها التركيزات ضمن الحد المسموح به عدا النترات أعلى من الحد المسموح في 40% من الآبار ".
يشير شبلاق إلى أن مسؤولية الرقابة على محطات التحلية تقع على عاتق وزارة الصحة وسلطة المياه، مؤكدًا وجود عجز وسوء رقابة.
ينوّه شبلاق إلى أن قيام الاحتلال بسرقة المياه يلعب دورًا كبيرًا في أزمة القطاع، فيسرق ما بين 15 - 20 مليون متر مكعب خلال الشتاء ، أي85% من مصادر المياه الفلسطينية ، مع وجود عجز سنوي بمقدار 100 مليون متر مكعب، فيما يتم العمل على بناء محطة توّفر20 ألف لتر مكعب لـ75 ألف نسمة في غزة خلال العام الجاري .
بحسب تقارير المركز القومي لرصد الأورام/ وحدة نظم المعلومات الصحية، بلغ عدد حالات السرطان الجديدة التي تم تسجيلها في القطاع في الفترة ما بين 2009-2014 (7069) حالة جديدة وفي العام 2014 تم تسجيل 1502 حالة جديدة .
التحليّة والمخزون الجوفي
حول محطات التحلية يقول مدير دائرة المياه في وزارة الصحة بغزة خالد الطيبي :" يوجد 129محطة مُوزعة على المحافظات، منها 51 حاصلة على ترخيص وهناك عدد غير معروف من غير المرخصة، تعمل على استخلاص المياه من 10 آلاف بئر مرخص، وآبار حُفرت بشكل غير قانوني، الأمر الذي يؤدي لاستنزاف المياه الجوفية ".
يُردف:"يتم أخذ عينات دوريّة للفحص البكتريولوجي من المحطات بمعدل يتراوح من 700-900عينة، وإجراء فحوصات كيمائية مرة سنويًا ، لكن المياه المُنتجة في المحطات تكون منزوعة الأملاح بدرجات غير صحيحة أحياناً لتصل نسبة التلوث فيها 18% " .
يُلخص الطيبي سلبيات التّحلية في انخفاض نسب الأملاح الضرورية للإنسان وارتفاع معدلات التلوث البكتريولوجي بمستوى أعلى من توصيات منظمة الصّحة العالمية .
ويُقر بوجود إهمال من قبل وزارته والجهات الرقابية في متابعة عمل هذه المحطات لوجود معيقات في مقاضاة أصحاب محطات التحلية غير الملتزمة بالمعايير.
أما المختص في الكيمياء العضوية حسن طموس يؤكد:" محطات التحليّة تساهم في حل أزمة المياه المالحة كونها تعتمد على المياه الجوّفية، لكن ارتفاع نسب النترات يُشكل خطرًا على صحة المستهلك، حيثُ طرأ تغيير واضح على نوعية وجودة المياه في الآبار الجوفيّة".
يشير إلى أن نسبة النترات في المياه وفقاً للمعايير الفلسطينية 70% ، وارتفعت خلال السنوات الماضيّة خمسة أضعاف المعايير الدولي، ووصلت نسبة الكلورايد إلى 1500-2000 ملغم في اللتر والحد الأقصى المسموح به 250 ملغم .
يؤكد طموس الفحص المخبري أن عددًا كبيرًا من محطات التحلية تُنتج مياهًا تحتوي على ملوثات بيولوجية نتيجة عدم فعالية نظام الترخيص وضعف الرقابة، فضلًا عن نقص القدرات الفنية لدى العاملين عليها، محملًا وزارة الصحة المسؤولية لتقصيرها في الرقابة الصحية .
تبلغ كمية التغذية السنوية للمخزون الجوفي نحو خمسين مليون متر مكعب، يُستهلك منه نحو مائتي مليون متر مكعب سنوياً، وتقدّر كمية المياه النقية المتوفرة في الأراضي الفلسطينية بنحو 2.4 مليار متر مكعب ، تستغل إسرائيل نحو 90% من هذه الكمية مقابل 10% فقط للفلسطينيين .
مخاطر و عقوبات
الباحثة في شؤون البيئة أمل صرصور تقول :"رغم كوّن محطات التحليّة حل مؤقت إلا أنها تستنزف الخزان الجوفي وتحتاج لوقفة جادة لوقف الاستنزاف والتلُوث الكيميائي".
تضيف :" يجب الانتباه للآثار الصحية السلبية على صحة المواطنين خاصة الرضّع، نتيجة زيادة عنصر النترات، والآثار المترتبة على تفاوت سعر المياه ومقدرة المواطنين في ظل ارتفاع معدلات الفقر".
تشدد صرصور على ضرورة تحديد الحد الأدنى للخصائص الكيميائية للآبار التي يسمح باستخدامها في أغراض التحلية، و مراقبة إدارة مصادر المياه .
أما مدير عام التخطيط في سلطة المياه الدكتور منذر سالم يقول :" تقوم سلطة المياه بمراقبة المحطات كافة و في حال وجود خلل يتم إخطار صاحب المحطة، وعدم الالتزام بالتراخيص مخالفة قانونية يترتب عليها عقوبات تصل إلى الحبس".
ينوّه إلى أن عملية الإخطار تتم بالتدريج في حال المخالفة إلى أن يتم إجراء التعديلات من قبل المعني أو إغلاق المحطة الخاصة به .























