غزة-نوى:
لشهر رمضان ملامح أثيرة، خصوصًا في الأسواق، فثمّة طقوس وعادات تشترك فيها منطقة الشّام عمومًا، منذ آلاف السنين، كـالتمسّك بمشروب الخرّوب الطبيعي وكأنّها عادًة لا تندثر. يصفن النّاس في بائع الخرّوب على عربته، مصطفين حوله، وعيونهم تبرق نحو خزّان الشراب لابتياعه، وإحضاره كمادةً أساسيّة على مائدة الصّائمين في شهر رمضان.
يعتبر شراب الخرّوب، وهو مكوّن من نبتة يتم طبخها على نار هادئة مع الماء والسكّر، شراب تراثي موسمي، تتلذّذ أفراد العائلة بتناوله قبيل تناول طعام الإفطار وبعده طيلة أيّام شهر رمضان، إذ يمثلّ لهم "موروث عائلي اجتماعي طيّب ولذيذ، لا يمرق علينا يوم في رمضان إلا بتناوله على الفطور وعلى السحور أيضًا" هكذا قالت فتحيّة أبو مهادي 37 عامًا.
في الواقع، تنتشر عربات الخرّوب على طول الأسواق، بالإضافة إلى المحلّات المخصّصة لبيع الخرّوب وجميع أنواع العصائر الطبيعيّة. تتابع أبو مهادي أنّها تفضّل غالبًا الشراء من العربات التي تغزو الشّوارع بدلًا من المحلّات كونها تزيد شغفها في الرّغبة بتناول العصير بعدما ترى البائع يكسر ألواح الثلج باستمرار ويسقطها في الخزّان أمام حشدٍ من الزبائن بمهارة عالية معتبرة أن أصحاب العربات لديهم خبرة عالية في طبخ الشراب عن أصحاب المحلّات الذين يستخدمون الآلات الكهربائيّة – حسب قولها -.
بذات السياق، يفيد محمّد حبيب 29 عامًا وهو بائع خرّوب أنّه يعتبر بيع الخرّوب مهنة ورثها عن والده منذ أن بلغ السبعة أعوام إذ صار يرافقه في إجازاته الصيفيّة، وأحيانًا بعد دوامه المدرسي ليمتهنها منذ أن تخرّج من الجامعة ولم يجد سبيلًا للعمل بغيرها. يضيف أن زوجته ووالدته تساعدانه في طبخ الشراب، بينما يهتم هو وشقيقه بمخزون الثلج وجلب النبتة من خارج البلاد، بعدما قصفت أرضهم الزراعيّة في حرب 2008 وحرق "أشجار الخروب"، التي أدّت إلى إنهاك طاقة الأرض الإنتاجيّة وعدم صلاحيّتها لزراعة الخرّوب من جديد، ما اضطرهم إلى استيرادها من تركيا تحديدًا.
الخرّوب، كغيره من محصولات زراعيّة ونباتات تضرّرت بفعل العدوان الاسرائيلي الذي يستهدف الأراضي الزراعيّة في كلّ مرة يشن عدوانه على قطاع غزّة، إلى جانب تعرّض أحراشه للتجريف باستمرار في المجدل وفي سبسطية كما يروي مزارعين فلسطينيّين، ما يدفعهم إلى استيراده من بلدان أخرى، واستخدامه كشراب، وكإنتاج لـ"الخبيصة" وهي عبارة عن مهلبيّة، والبسيسة وهي مادة تشبه الطحينة تستخدم في الطعام أيضًا، بالإضافة إلى دبس الخرّوب (مربّى).
وبخصوص المدخول المادي الذي يوفّره الخرّوب، يقول: "أسعار شراب الخرّوب زهيدة، في متناول جميع الفئات من الزبائن، الفقيرة منها والفخمة، وبطبيعة الأمر فإنّها تنتعش في شهر رمضان دون بقيّة شهور السنة".
وحول سؤال شبكة نوى عن الفوائد الصحيّة التي يكتسبها الإنسان إثر تناوله شرّاب الخرّوب، يوضح هاشم الحلو بائع خرّوب آخر أنّه بمثابة: "مطهر ومضاد للفيروسات والحساسية، كما يحتوى على مواد مضادة للأكسدة، وبالتالي فهو يعمل على مقاومة الشيخوخة وعلامات تقدم السن، كما ينصح به للأمهات المرضعات كونه يعمل على در اللبن" وبالنسبة إلى فوائده للجهاز التنفسي: "في الطب الشعبي يستخدم الخروب كمشروب مضاد للسعال ، كما يعمل على ترطيب وتوسيع الشعب الهوائية"
حقيقةً، فإن غالبيّة النّاس التي ترغب بتناول الشراب تعتبره موروثًا اجتماعيًا، من العادات والتقاليد التي ترتبط بشهر رمضان تحديدًا، من دون أن تعي ما أهميّته الصحيّة لجسم الإنسان.























