شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 05 اعسطس 2026م01:35 بتوقيت القدس

"المساعدات" عندما تهتك كرامة البسطاء

08 يونيو 2016 - 17:00
نسرين موسى
شبكة نوى، فلسطينيات:

غزة-نوى:

"لسنا أرقامًا لإثبات عملهم الخيري الذي يلطّخوه بماء كرامتنا المجروحة"؛ بهذه الكلمات المؤلمة استهل الخمسيني أحمد عبد الله حديثه لنوى، واصفًا ظاهرة تصوير الفقراء أثناء تلقيهم المساعدات من المؤسسات الإغاثية.

كرامة مجروحة

يعمل عبد الله كبائع لحاجيات الأطفال عند مدخل مخيم النصيرات حيث يسكن هناك في بيت متواضع من الكرميد، دخله من هذه المهنة البسيطة، بالكاد يوفر لأبنائه الخمسة قوت يومهم الأقل من عادي.

الفقر المدقع أجبر الحاج عبد الله على تلبية رغبة إحدى المؤسسات الداعمة مكرهًا, ووافق لأول مرة في حياته على تصويره وهو يتسلم سلة غذائية كمساعدة رمضانية، بعد أن استغنى سابقًا عن أكثر من مساعدة لاشتراط مانحيها التصوير, لكنه قبِل مؤخراً وكان في قرارة نفسه يلعن الكاميرا ويتمنى تحطيمها أو حتى وضع لثام على وجهه.

حال عبد الله كغيره من البسطاء ومعظمهم يقبلون بالتصوير خلال تسلمهم المساعدة نزولًا عند رغبة المانح رغم شعورهم بأن الأمر يحط من كرامتهم ويعرضهم للإذلال.

في قطاع غزة المحاصر منذ 9 سنوات، حيث تصل نسبة الفقر إلى 37% والبطالة 42% وفقًا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، تنشط المؤسسات الخيرية بتوفير المواد التموينية كنوع من التخفيف على المواطنين، لكن جميعها تقريبًا تلجأ للتصوير كنوع من توثيق العمل، متجاهلة ما يسببه ذلك من جرح لمشاعر البسطاء.

شرط الممول

يقول سامر أبو صبحة رئيس قسم الكفالات والمساعدات في جمعية الرحمة بخانيونس: الجمعية تقدم خدماتها لكل الفقراء في خانيونس, وبالنسبة لعملية التصوير ضرورية بناءً على طلب الممول, بهدف توثيق تنفيذ النشاط, ومشاركة نشاطات الجمعية على مواقع التواصل الاجتماعي".

لكنه يؤكد إن الجمعية لا تجبر البسطاء على ذلك، وعند التصوير لا يتم إظهار وجه المستفيد، فقط وجوه الموظفين.

أما فرج بربخ مصور ومحرر في جمعية المجلس العلمي للدعوة السلفية بفلسطين فيؤكد إن الآونة الأخيرة شهدت الكثير من اللغط في موضوع تصوير المستفيدين بين مؤيد ومعارض، وعادة في المؤسسات الخيرية، يواجهون صعوبات جمة في عملية التصوير والتغطيات الإعلامية للمشاريع التي يأتي تمويلها من الخارج.

يكمل:"عدم قبول المستفيد بالتصوير يسبب لنا إحراجًا  كبيراً، أنا اعتبره حق شخصي للمستفيد ولكن المؤسسة الداعمة والممولة في الخارج تفرض قيودًا بأن يتم تصوير المستفيد بشكل شخصي ولا تكتفي بالتصوير الفوتوغرافي، بل تريد في بعض المشاريع تقريرًا إعلاميًا كاملًا "فيديو" عندما يتلقى المستفيد المساعدة".

تصوير غير مباشر

ويضيف:"تصوير المستفيدين عندما يتلقون المساعدة ونشر ها عبر وسائل الإعلام والفيس بوك وغيرها من المواقع  أرفض وبشدة هذا الأمر, لأن فيه امتهان للكرامة، وإن اضطررنا فيمكننا النشر من خلال التضليل على صورة المستفيد أو نشر صور لا توضح تفاصيل الشخص، وهذا يأتي من خلال التقاط الصور غير مباشرة, وتحديدًا من الخلف".

يكمل بأن المؤسسة قد تلجأ للتصوير من أجل التوثيق والنشر لأنشطتها، ولكن لا بد من الأخذ بالاعتبار عدم إظهار الأشخاص الذين يتلقون مساعدات حفاظًا على كرامتهم.

تجربة إيمان دحلان المتطوعة في المركز الفلسطيني للتواصل الإنساني فتا, مختلفة فقبل التصوير تقوم بتوجيه السؤال للمواطنين عن كانوا يقبلون التصوير أم لا، وتحترم رغبتهم، وفي حال وافقوا يتم تصوير الأطفال لاعتقادها بأن الأمر أقل إحراجًا.

رمزي حرز الله القائم على حملة "إسندهم" من فريق "جينا نسعدكم" ، يقوم بجمع التبرعات والمساعدات وتوصيلها للفقراء والبسطاء يقول:" سياسة فريقنا لا تقوم على فضح الناس وتصويرهم، وإذا اضطررنا لذلك نقوم بتضليل وجوههم ".

وحسب حرز الله يوجد حالات من الفقراء هم من يطلبون التصوير لإيصال أصواتهم  إلى التلفزيون أو جهات أخرى  تقوم بالمساعدات".

ويختم حرز الله :"لن نفضح الفقراء من أجل 100 شيكل أو حتى 1000, صحيح أن هناك مؤسسات حتى لو قدمت مساعدة قدرها 30 شيكل، تقوم بتصوير تسليمها للفقراء وتضع عليها يافطة، لكن بالنسبة لي أصور الفريق أثناء العمل من أجل التحفيز وليس الفقراء".

حرمان

اشتراط التصوير حرم الكثير من المواطنين الفقراء حقهم الطبيعي في التوجه إلى المؤسسات الإغاثية من أجل طلب المساعدة، فالمواطنة أحلام وهي أرملة تعاني كثيرًا من أجل توفير المساعدة لأولادها الخمسة بعد أن فقدت المعيل الوحيد.

ترفض أحلام لتوجه لأي مؤسسة حفاظًا على كرامتها، رغم حاجتها الماسة لذلك، وتقول:"أكتفي بالجهات والمؤسسات التي لا تقوم بالتصوير، فكرامتي لا تقبل, أناشد كل هذه المؤسسات الكف عن تلك الطريقة المهينة لنا، فالرسول (ص) أوصى عند المساعدة ألا تعلم شمالك ما تنفق يمينك".

تصوير الفقراء أثناء تلقيهم المساعدات الإنسانية موضوع بحاجة إلى وقفة جادة من هذه المؤسسات في وجه الممول الذي يفرض هذا الشرط المهين، فالمسؤولية قبل كل شيء أخلاقية وإنسانية؛ على أن تقدم المؤسسات بدائلها الإعلامية  من أجل التوثيق والتي لا تعجز عدسات المصورين عن إيجادها.

كاريكاتـــــير