شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 05 اعسطس 2026م01:35 بتوقيت القدس

يجلدنا العرب تكفيرا عن خطاياهم

08 يونيو 2016 - 03:09
وفاء عبد الرحمن
شبكة نوى، فلسطينيات:

دُعيت إلى ايطاليا للحديث عن الوضع في فلسطين من قبل مجموعة تضامن مع الشعب الفلسطيني.  في مدينة فيرونا، اجتمع المتضامنون يراجعون ويقرون تحضيراتهم لتصعيد حملة المقاطعة ضد الاحتلال الصهيوني وكل ما له علاقة باستمراره (وليس فقط مقاطعة المستوطنات)، وأيضاً التجهيز لحملات جديدة للتضامن مع القضية الفلسطينية وشعبها المغلوب على أمره.

وفي ذات اللقاء، جرى عرض الاستعدادات لاحياء ذكرى "مقتل" فيتوريو أريغوني في غزة على يد مجموعة ارهابية.

استمعت لمترجمتي الشابة بتوتر لم يدم طويلا، تمعنت العيون المتعلقة بي والمنتظرة لما ساقوله بعد قليل.

تبخر ما كتبته على الورق، وقررت ان أبدأ مرتجلة مكملة النقطة الأخيرة التي انتهوا اليها "فيتوريو"، نعم لم التق به شخصياً، ولكن لي أقارب وأصدقاء كانوا أصدقاءً له، ونعم أطلق أخي اسم "فيتوريو" على مولوده البكر الذي خرج للدنيا بعد أن خرج "فيتوريو" منها، أراد أن يقول "شكرا فيتوريو، وشكرا لكل من يتضامن مع قضيتنا العادلة، ستبقى خالداً برسالتك الانسانية التي حملتها لغزة وفلسطين أن "كن انسانا"، وستحيا عبر ابني الذي ولد في ذات المكان الذي شهد مصرعك"!

لم ألمح عيناً تطالبني بالاعتذار عما اقترفه الارهابيون بحق ابنهم في عقر دارنا- غزة-، لم ألمح ولو عتباً صغيراً في كلمة أو اشارة، ولم يسألني أحد "لماذا قتلتوه؟" أو كيف تأتين إلى هنا وأيدي "أهلك" ملطخة بدمائنا؟  ولم يقل لي أحد، اشجبي مقتله!

لم أعتذر ولم أبرر، ولم أوضح، فقط نقلت رسالة حب خطها فلسطيني من غزة صدف أنه أخي!

عدت لأوراقي وبدأت الحديث عن الوضع العام وتحديداً عن المواجهة المستمرة ضد الاحتلال في الضفة كمدخل، فأوقفوني "نحن نحتال على الاحتلال بشتى الوسائل للوصول للضفة، ونعرف الوضع فيها جيداً، فحدثينا عن غزة نريد أن نسمع عن اهلها، عن اطفالها، نسائها، شبابها وكيف يعيشون، عن الصيادين والمزارعين، عن معبر رفح ومعبر "ايرز"، حدثينا عن التعليم، عن الصحة، عن الحصار والاحتلال.. وضعت أوراقي جانباً، وحدثتهم عن غزة ببؤسها، وفقرها وحصارها، ومقاومتها للموت والاندثار، وعن الصبايا والشباب يحفرون الصخر بحثا عن بعض الأمل وبعض الحياة وبعض المستقبل.

الطليان لم يُنظِروا علي، ولم يعطوني دروساً في الأخلاق والوطنية والوحدة، هؤلاء "الكفار"، لم يحرجوني بأسئلة الانقسام وسوء القيادة الفلسطينية، تلهفوا فقط ليسمعوا كيف نساهم في فك الحصار عن القطاع، وكيف ننهي معكم الاحتلال؟

أما في عالمنا العربي- المؤمن والذي بغالبيته مسلم- فلو تعثرت دابة في العراق، أو انكسر جناح عصفور في المغرب، لصار كل فلسطيني مطالباً باثبات براءته من الحادثين، وصار مطالباً بالاعتذار والتبرير والتوضيح والشرح، وقد يتنصل من هويته بعد أن يلعنها ألف مرة، فهو مطلوب منه أن يعتذر عما فعل، وما لم يفعل، وعما يمكن أن يفعل ولو في حلم أو كابوس!

كأن العرب كلما نكلوا بنا أكثر، يكفرون عن خطاياهم اتجاه القضية البوصلة، واتجاه أنفسهم أيضاً.

سلام لروحك فيتوريو ولمقولتك "كن انسانا"، اعتذر منك، فهي لا تصلح في بلاد العرب.

*مديرة فلسطينيات ورئيسة تحرير شبكة نوى .

كاريكاتـــــير