إذا أردنا تقييم اجتماع وزراء الخارجية في باريس الذي عقد لإطلاق المبادرة الفرنسية ونقلها من حيز الأقوال الى الأفعال، فإن ذلك يستدعي المقارنة بين الأفكار الفرنسية قبل الاجتماع والأفكار التي وردت في البيان الختامي للاجتماع. قبل الاجتماع كشفت الورقة الفرنسية عن مجموعة أفكار، كأهمية تحديد هدف مؤتمر السلام وهو إنقاذ حل الدولتين الذي يتعرض للخطر. وأهمية «الجدول الزمني» للمفاوضات ولتنفيذ الاتفاق الذي تتمخض عنه. وعن «إشراف دولي» عبر هيئة دولية تتابع المفاوضات وتساعد في إنجاحها. ودعت إلى تحديد مبادئ أو رؤية مشتركة لحل الدولتين في مجالات (الحدود واللاجئين والقدس والأمن والمستوطنات والمياه). وتشكيل طواقم تتخصص بكل عنوان من عناوين التفاوض وظيفتها وقف التدهور والتصعيد وبلورة حوافز اقتصادية بما يحافظ على حل الدولتين. وإجراء تقييم في كل فترة زمنية لفحص جدية العملية من خلال تشكيل نظام للتحكيم والمراقبة. يلاحظ أن الأفكار الفرنسية تنطلق من أسباب فشل العملية السياسية السابقة التي استندت الى تفاوض ثنائي يتحكم به الطرف الأقوى، والى وساطة أميركية منحازة بالكامل لإسرائيل، والتي افتقدت لمرجعيات ملزمة ولجدول زمني ولأهداف ولحاضنة دولية. الورقة الفرنسية حاولت فتح الانسداد من خلال الافكار المبينة أعلاه. كانت الافكار قبل دخول فرنسا على خط التشاور والبحث مع الاطراف المعنية شيئاً والافكار بعد التدخلات شيئاً آخر، فقد أتى بيان باريس الصادر عن وزراء الخارجية والمؤسسات الدولية المشاركة على مضمون الأفكار الفرنسية السابقة للاجتماع. البيان لم يتحدث عن جدول زمني لإنهاء الاحتلال عبر المفاوضات ولا لتنفيذ أي اتفاق يمكن التوصل إليه، ولم يتطرق الى حدود67 التي ينبغي التفاوض حولها، ولم يدعُ لإقامة فرق وطواقم عمل للتباحث في القضايا الحيوية، ولم يتطرق إلى آليات تنفيذ. ولم يشر إلى خطر الاستيطان، بل ساوى بين الشعب الفلسطيني ودولة الاحتلال في إفشال حل الدولتين. ودعا الطرفين للعودة الى طاولة المفاوضات الثنائية التي ارتبطت بالفشل الذريع على مدار ربع قرن. البيان عاد إلى متاهة العموميات والعناوين الفضفاضة التي شكلت بديلا للحل الفعلي طوال الفترة السابقة. تحدث عن أهمية حل الدولتين بالأقوال ولم يتوقف عند عملية تدمير مقومات الدولة الفلسطينية على الأرض. تحدث عن المفاوضات الثنائية ولم يتحدث عن الاحتلال الذي يمسك بتفاصيل الحياة اليومية لشعب ويحيلها الى جحيم لا يطاق. البيان تهرب من تحديد أهداف ملموسة وآليات عمل ونظام تحكيم. بين ما هو مطلوب للإقلاع بعملية سياسية تنهي الاحتلال وما جاء في بيان باريس بون شاسع. لقد أحالنا البيان الى المربع الأول، إلى مفاوضات ثنائية تتحكم فيها الحكومة الأشد يمينية وتطرفا، مفاوضات مفتوحة على الزمن وبلا رقيب أو حسيب. لقد أثبت الحضور الأميركي نفسه مرة أخرى، كان القرار في باريس أميركياً، والقرار الأميركي بطبيعته إسرائيلي الهوى في المضمون وفي التفاصيل، ومن يتشكك في ذلك عليه مراجعة رفض نتنياهو الحاسم للجدول الزمني والمرجعيات والأطقم، وموافقته فقط على العودة للتفاوض الثنائي بدون شروط مسبقة. نتنياهو رفض المبادرة الفرنسية وانحاز الى «المساعي الإقليمية» لإحلال ما يسمى «بالسلام». وقد تعزز الموقف الأميركي الاسرائيلي، أولا، برفض الاتحاد الاوروبي تبني المبادرة الفرنسية وتحويلها الى مبادرة أوروبية، بالمشاركة الدولية المنقوصة في اجتماع باريس، فلم تحضر ثلاث دول كبرى كروسيا وألمانيا وبريطانيا، خلافاً لحضورها الفاعل في مفاوضات 5+1 حول المفاعل النووي الايراني. وإذا كان من المفهوم تغيب بريطانيا وألمانيا، فقد كان من المفاجئ تغيب روسيا التي عُوِّل عليها في مساندة الموقف الفلسطيني. خلافاً لذلك فإن العلاقات الروسية الإسرائيلية تشهد تقاربا غير مسبوق، وقد خدم الغياب الروسي الموقف الأميركي الإسرائيلي في اجتماع باريس. يمكن القول ان إدارة أوباما وهي في الهزيع الأخير من حكمها استعادت زمام المبادرة، وفرضت منطقها الذي يتلخص بـ دَع إسرائيل والقيادة الفلسطينية يتفاوضان الى ما لا نهاية، والتفاوض على الطريقة الاميركية ما هي إلا وصفة سحرية لإدامة الاحتلال وتثبيت السيطرة الكولونيالية على الشعب الفلسطيني ومنعه من تقرير مصيره بالقوة. لم تكن هذه النتيجة مفاجئة، فالموقف الاوروبي ومن ضمنه الموقف الفرنسي، غير مستقل عن الموقف الاميركي، ولم يخرج عن طوع السياسة الاميركية على مدار ربع قرن، كان يتناغم مع تلك السياسة ولم يفكر في تقديم بديل لها طوال الوقت. ولم يرق الموقف الأوروبي الى حد التمايز عن الموقف الاميركي بممارسة ضغوط على حكومة الاحتلال انسجاما مع اتفاق الشراكة الأوروبية الإسرائيلية، الذي يشترط عدم ممارسة انتهاكات تتناقض او تتعارض مع القانون الدولي، ورغم وفرة الانتهاكات الاسرائيلية وبلوغها مستويات شديدة الاستفزاز لم تتأثر الشراكة بالانتهاكات الإسرائيلية كما تأثرت مع دول أخرى. وعندما حاولت الحكومة الفرنسية التمايز على خلفية اعتقادها بوجود علاقة وثيقة بين الارهاب الدولي الذي أصاب عاصمتها في مقتل، وبين الاحتلال الاسرائيلي للارض الفلسطينية وللبطش والتنكيل والتمييز الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني طوال الوقت. وقد عبر الرئيس الفرنسي أولاند عن ذلك عندما قال : إن عدم إيجاد حل للدولتين يعني تسليم المنطقة للمتطرفين والإرهابيين». انطلاقا من ذلك تقدمت فرنسا بمبادرتها من أجل التوصل الى حل لكنها صدت بموقف إسرائيلي أميركي، أفقد المبادرة مضمونها وأعادها الى المايسترو الاميركي المترنح بالفشل. لن تكتفي أميركا وإسرائيل بإفقاد المبادرة الفرنسية روحها واندفاعها، بل سيذهبان الى أشكال من التعاون الاقليمي الاقتصادي والامني بين دول عربية وإسرائيل، والبحث في تعديل مبادرة السلام العربية، وتطبيع العلاقات مع إسرائيل بشكل مسبق، وكل ذلك من أجل إذابة القضية الفلسطينية في الوضع الإقليمي ضمن تفاهمات تبقي على جوهر الاحتلال والسيطرة وتقطع الطريق على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. وكان وزير الخارجية الفرنسي مانويل فالس قد دعا الدول العربية للاعتراف بإسرائيل من أجل تشجيعها على السلام، اثناء زيارته لاسرائيل. لم يكن التعاطي مع المبادرة الفرنسية خاطئا، غير ان التعاطي الايجابي شيء والارتهان للمبادرة شيء آخر. ان عدم العودة للمفاوضات الثنائية موقف ومطلب ينسجم مع المصلحة الوطنية الفلسطينية، وعدم إعطاء غطاء فلسطيني لتفاهمات إقليمية تقطع الطريق على حق تقرير المصير موقف ومطلب ينسجم مع المصلحة الوطنية. ومن أجل أن يكتسب الموقف الفلسطيني الرسمي مصداقية فإن ذلك لا يتحقق بمعزل عن إعادة بناء البيت الفلسطيني. [email protected]























