غزة – نوى /
حول الجدل القائم بخصوص قضيّة التحرّش التي طرحها الصحافي أمجد ياغي، خلال تحقيق استقصائي أجراه، وقام بنشره في جريدة الأخبار اللبنانيّة، عقدت مؤسّسة فلسطينيّات جلسة حواريّة حول القضيّة، في إطار حوارات نادي الإعلاميّات الفلسطينيّات بالتعاون مع مؤسسة هينرش بول الالمانية، حضرها مجموعة من الصحافيّين والصحافيّات وشخصيّات عامّة.
افتتح اللقاء بمداخلة من زهية القرا وهي أخصائية نفسية، فقدّرت أن مجتمعنا تدريجيًا يفقد القدسية التي كان يعيشها، فسابقًا كان من المحظور الحديث عن الانتحار والآن أصبح ممكنًا، فالأصل أن الصحفي حين يسكت لا يستفز المجتمع، وفي موضوع التحرش لو تجاوز التحقيق بعض التفاصيل لرحّب به الجميع.
تكمل بأن موضوع التحرش من المواضيع المثيرة في مجتمعات العالم الثالث التي لا يوجد فيها قوانين محاسبة تجاه الفساد، ومحاولة طرح الموضوع يعرض الناس للعقوبات كلما كان مساحة حرية الرأي والتعبير فيها قليل.
من ناحية نفسية بحتة تؤكد خليل أن المتحرش يكون عادة إما شخص لديه نرجسية عالية وتضخم في الذات، أو يعني من حالة عدوانية أو يتعلق بالشخصيات المتلاعبة، مضيفة أنه في الغالب يكون لدى المتحرش سلطة ونفوذ.
عن صعوبة توجه الفتيات بشكوى تقول أن المجتمع عادة يلوم الضحية، ويؤثر سلبًا على نفسية الضحية التي تصاب بصدمة ويصبح لديها حالة من اللوم أن ما حدث معها كان بسببها، والمجتمع أيضًا يسعى لإيجاد أسباب يلقيها عليها، ويتكرر هذا المشهد وينعكس على ثقتها بنفسها.
أما المستشار القانوني بكر التركماني فتحدث بداية عن إشكالية القانون الذي يم ينص صراحة على عقوبة المتحرش وأن الموجود فعليًا هو قانون العقوبات لعام 1936 والذي تحدث بشكل أو بآخر عن موضوع التحرش دون الإشارة إليه مباشرة.
وقال أن المواد 158 و المادة 160 والمادة 167 تحدثوا عن الموضوع، فالملاحظ أن هناك مشكلة في القانون المطبق في متابعة أو تحقيق النتيجة فيما يتعلق بقضايا التحرش الجنسي، وهذه الإشكالية تجاوزها المشرّع في القانون المقترح لكن لم يتم المصادقة عليه حتى اللحظة بسبب الانقسام.
يضيف أن الحديث عن هذا الموضوع ليس مرتبطًا فقط بالنص القانوني إنما يتعلق بالعمل الإجرائي وإثبات القضية، والموضوع أكبر من أن تتقدم الفتاة بشكوى، وإن تقدمت هل سيرحمها المجتمع، فالإشكالية ليست فقط في الجانب القانوني.
يشرح التركماني أن هذا التعامل ينبغي التعامل معه بعقلانية، فلا يوجد حتى الآن قانون يحمي المبلغين عن الفساد، فحتى سيداو لم يتم تضمينها ضمن القوانين الفلسطينية لأن لدينا مشكلة انقسام الجهات المشرعة في الضفة والقطاع.
في تفاصيل القضية، كان الصحفي أمجد ياغي نشر تحقيقًا استقصائيًا في صحيفة الأخبار اللبنانية بعنوان "التحرش الجنسي يلاحق الباحثات عن عمل في قطاع غزة"، ليعرض 13 رواية لشابات تعرضن للتحرش أثناء رحلة البحث عن عمل وفي أماكن مختلفة "مؤسسات محلية ودولية وقطاع خاص"، ليثير التحقيق العديد من التساؤلات حول مدى مهنية وأخلاقية طرح هكذا موضوعات.
في معرض رده على كل هذه التساؤلات تحدث ياغي أن هذا التحقيق ثمرة 673 ساعة بحث استقصائي احترم فيها قواعد المهنية للتعرف على مدى حرية الصحفي وتمكّنه من محاكاة المجتمع في مثل هذه القضايا، وفي الواقع الأمر لم يكن ظاهرة أبدًا والتحقيق أشار إلى هذا، إضافة إلى أنه استند إلى استشارات قانونية في غزة ولبنان قبل النشر.
يضيف أنه أجرى مقابلات مع 13 فتاة من أصل 36 شابة، بمساعدة زميلة سهّت له التواصل مع الفتيات من أجل المقابلات حفاظًا على العادات والتقاليد؛ مؤكدًا أنه منذ نشر التحقيق تحفّظ على الرد على أي وسيلة إعلام، ليطرح التساؤل:"صحيح أن حجم الانتقادات كبير، لكن لماذا لا أتكلم؟".
يكمل أن الوكالات المحلية لا تطرح المجال للصحفي ليكتب في مثل هذه التحقيقات، وأنه لم يعمم، كل ما حدث أنه تقدم بفرضية للجهة التي يعمل بها، بنى عليها تحقيقه الاستقصائي فيما بعد، فالهدف أن هناك شيء واقعي يحدث وأن هذا الأمر ينبغي أن يُعالج.
ياغي الذي حافظ على هدوئه خلال طرح المداخلات التي اتهمته بالإساءة إلى سمعة غزة وصورتها المناضلة، أكد أن الصحفي المتقصي يحمل من الأدوات ما يجعله يجمع أدلة بحيث لا تنطلي عليه رواية دون التحقق منها، ومنها على سبيل المثال التعرف على طبيعة وشكل المكان الذي تحدثت عنه الضحية وهل يمكن أن يحدث فيه تحرش وسؤال شهود وغيرها من الأدوات.
يوصي ياغي بضرورة تشكيل دائرة نسوية تحافظ على سرية المرأة عند التقدم بهذه الشكاوى، وتكون تابعة لوزارة الداخلية، لمعالجة هذه المشاكل.
اما مديرة فلسطينيات وفاء عبد الرحمن فقد تحدث خلال مداخلة عبر السكايب من رام الله أن استضافة أمجد في مقر المؤسسة تمت من أجل مناقشة التحقيق وليس الهجوم الشخصي عليه، وأنه بكل الاحوال دق جدار الخزان، قبلتم أم لا فالناس ليسوا ملائكة، والتحرش موجود.
تضيف أن الأصل تشجيع هؤلاء الشبان وحماية الصحفيين الشباب، فمن حق أمجد وغيره من الشباب أن يتحدثوا، وكما قال هناك وسائل وقنوات للشكوى إذا شعر أحد بالإساءة، ولا يوجد أي تعميم في التحقيق المطروح.
أمّا عن رأي المحلّل السياسي هاني حبيب، فأعرب عن خشيته في ان هذه الحوارات قد تدفع الصحافيّين إلى التردّد أو الامتناع عن البحث حول الممنوع اجتماعيًا، مضيفًا: "نحن امام تحقيق صحفي وليس تحقيق استقصائي وهو جيد كما أعتقد الا أن مثلبتها الاساسية انه لم يورد رأي ما وصفهم بالمتحرشين"
يتابع حبيب أن ما أزعجه في الحوار، إشارة بعض المشاركين إلى معدّ التحقيق على أنه "صغير بالعمر"، إذ يلفت أن هذه المسألة لا يجب أن تشكّل عقبة أمام الموهبة الصحفية وإذا كانت هناك أخطاء، فهي ضروريّة لمزيد من التعلّم. ويؤكّد على ضرورة الا يكشف الصحافي عن مصدر معلوماته وإلا يعتبر أنه انتهك أسياسيّات المهنة، كما أن ليس على المحقق الاستقصائي أن يضع حلولًا للمسالة التي يعالجها مهمته تقتصر على رأي وتعليق منه وإرسال رسالته الى المتلقي.
وفي انتقادات أخرى، يقول حبيب: "اعتماد الصحفي على الوشوشات، والاستغابات، لا تعمل منه صحفيًا ناجحًا بل مجرّد ناقل للإشاعات، اذا لم يتحقق منها بالوسائل الاعلامية المهنية".
بدورها، انتقدت الصحافيّة عبير أيّوب غياب الدوائر والمؤسّسات الحكوميّة عن مجالات البحث التي جرت في التحقيق، وعدم التطرّق إلى ما يمكن أن يحدث فيها من تحرّش لفظي وجسدي، متسائلة: "لماذا غابت هذه الجهات عن التحقيق وتم تخصيص بعض المؤسسات فيه من دون التوسع أكثر؟".























