شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 06 اعسطس 2026م10:13 بتوقيت القدس

حروب الوراثة الثلاث

16 مايو 2016 - 10:43
زكريا محمد
شبكة نوى، فلسطينيات:

تدور الحرب في المنطقة العربية حول الوراثة الآن، كما كان الحال قبيل الحرب العالمية الأولى وأثناءها. في تلك الأيام كانت الحرب تدور حول وراثة الدولة العثمانية، رجل أوربا المريض، وأملاكه. وقد اعتقد عرب الشام أيامها أنهم كانوا يصنعون ثورة سموها (الثورة العربية الكبرى). ولم تكن في الحقيقة ثورة ولا ما يحزنون. كانوا مجرد أداة بيد بريطانيا لتكبير الحصة التي ستحصل ليها من املاك الدولة العثمانية.

الآن هناك أكثر من مريض تجري الحروب من أجل وراثتهم:

أولا: هناك رجل العرب المريض الأول: مصر. والمعركة الدائرة في سوريا هي معركة وراثة مصر، الذي تحولت إلى رجل مريض منذ كامب ديفيد، ثم صارت على وشك الموت أيام مبارك ومن بعده. سوريا كانت حصة مصر. كانت نقطة ارتكازها خارج حدودها، أي في الواقع نقطة ثقلها الإقليمي. وقد هذا. الرجل المصري المريض أفلت سوريا من بين يديه. أفلت فلسطين أولا، ثم أفلت سوريا. (وكان قد أفلت العراق منذ العام 1991). أصبح خارج اللعبة. والصراع الآن يدور بين تركيا وإيران على وراثته في سوريا. بالطبع هناك ورثة غربيون يريدون حصصهم، لكن معراكهم ترتبط بالصراع الأساسي هو بين تركيا وإيران، الذي تدخل فيه إسرائيل الخط بين الحين والحين.

ثانيا: هناك رجل العرب المريض الثاني: مملكة آل سعود. صحيح أن هذا المريض لا يبدو على وشك الموت كما هو المريض المصري، لكن الكل يدرك أن قبضته تفلت ممتلكاته بالتدريج. وأفضل تعبير عن هذه الحقيقة هو ما قاله أوباما للسعودية: اقتسموا المنطقة مع إيران، واصنعوا معها سلاما باردا. يعني: سلموا جزءا من حصتكم لإيران. لكن آل سعود ما زالوا يعارضون هذه القسمة. وأمام ابتعاد امريكا عنهم، فهم ينشئون تحالفا شبه علني مع إسرائيل. أي أنهم يفعلون مثل الرجل المصري المريض. يبيعون فلسطين نهائيا، كما فعلت مصر أيام السادات ومبارك. وفلسطين رمانة الميزان كما يقول صحفي مصري. أي أنهم يرمون بهذه الرمانة لإيران أساسا، ولتركيا جزئيا. السيناريو ذاته: كل رجل عربي مريض يبدأ برمي الرمانة الفلسطينية، ثم ينتهي برمي رماناته كلها، ويخرج من اللعبة نهائيا.

ثالثا: وهناك رجل الغرب المريض: أمريكا، التي ترتخي قبضتها عن المنطقة تدريجيا. لا يجري هذا بوضوح كاف، لكنه يجري. وكل القوى الإقليمية والدولية تدركه. ويحاول هذا المريض أن يجير صراعات القوى الإقليمية والدولية حول المنطقة، وفي مركزها سوريا، لصالحه، لكنه بالكاد يسيطر على الأمور. إنه حتى لا يسيطر على حلفائه القدامي: إسرائيل، السعودية، وتركيا. فهم يدركون ضعفه وانسحابه، ويلعبون ألعابهم الخاصة التي لا تعجبه. وهم فوق ذلك غاضبون لأنه يحاول أن يجد له أرضا مشتركة مع إيران عله يسيطر على الملعب.

حروب الوراثة الثلاث تجري معا. لذا يبدو العالم في فوضى لا نهاية. يبدو وكأنه في يوم الحشر. وهناك أنفار يعتقدون مثلا أن ما يجري في ليبيا واليمن وسوريا ثورات. وهم بالضبط مثل أهل الشام الذين ظنوا أن هناك ثورة عربية كبرى عام 1918. الظنون والهبل جزء من القصة. يجب أن يكون هناك هبل كي يجري اقتسام المنطقة، ووراثة المرضى.

وإذا استثنينا تونس، فإن الثورة الوحيدة فعليا هي ثورة مصر. وهي ثورة يوجهها إحساس غير واضح تماما بأن مصر يجب ان تستعيد ذاتها وكيانها ومنطقتها. مصر تحاول، بإرادة شعبية نصف واعية، أن تستفيق وأن تعود إلى الميدان، لكنهم لا يسمحون لها حتى الآن. بالتالي، فإذا كان هناك أمل ما فهو موجود في مصر. لكن طريق هذا الأمل صعبة وطويلة جدا.

كاريكاتـــــير