غزة-نوى –مرح الواديّة:
من دون مقدّمات، يجد الفلسطينيّون أنفسهم اليوم مع مرور نحو 68 عامًا على النكبة، أمام نكبات وويلات هالكة، قاتلة للأحياء منهم سبقها قتل الأموات. وفي كلّ ذكرى تمر، يسلّط الضوء على كبار السن ممّن شهدوا على التهجير والقتل وعمليّات السلب وانتزاع الأرض من قبل الاسرائيليّين، بينما، يكاد يقفون موقف الرّاوي عن الجد، وشباب آخرين، يروون قصصهم الشخصيّة في النكبة الجارية.
ثمّة قصصًا لم تُشاهد، أو أنّها تُشاهد ولكن بعين عابرة. الهجرة، مثلما كانت قسرًا في الـ48، فإنّها تنتزع الشباب اليوم بشكل قسري أيضًا. قطاع غزّة على وجه التحديد، يومًا عن يوم، يكاد يخسر مئات الشباب الذي يسعون بشكل جدّي إلى الذهاب دون عودة، إذ صار الخيار الأوحد في ظلّ الظروف الهالكة التي أنتجها الحصار والحروب والانقسام والحزبيّة وأمور كثير أخرى.
إحسان وليد يبلغ من العمر 27 عامًا، يقول أنّه يرى نفسه "في مهبّ الريح، في ظل وضع اقتصادي سيّء، إلى جانب حصار ظالم وانقسام دمّر ولا يزال يدمّر أجيال بأكملها، وكلّ هذا بسبب احتلال شرس، انتكبت فلسطين فيه عام 48"، يتابع أنه يطمح إلى أن يعيش في بلد مستقر من الناحية الاقتصادية بشكل أساسي، وكل جوانب الحياة المختلفة، إلا أنّه يسعى بشكل جدّي إلى الهجرة بعيدًا عن فلسطين للعيش بحريّة وبكرامة – حسب قوله -.
وحول أوضاع اللاجئين في القطاع، يعبّر وليد عن استياءه، كونهم محرومين من رؤية مدنهم الأصليّة وقراهم حتى لو في لحظات عابرة، كإمكانيّة الذهاب والإياب من خلال حاجز "إيرز" الاحتلالي، بالإضافة إلى المعاناة المستمرّة في الحصول على "الكوبون الغذائي" منذ عشرات السنين، هذه التي لا يفهمها سوى اللاجئ، كما محاولة المواطنين الأصليّين لسكّان غزّة بالسعي وراءها للحصول عليها بسبب سوء الأحوال الاقتصاديّة ما يكرّس من نكبتنا الأساسيّة – حسب تعبيره -.
حول أقاربه المهجّرين، يعلّق أنه له أقرباء لاجئين في ليبيا والعراق لم يرهم منذ عام 1995، لا يستطيعون السفر إليهم ولا هم يستطيعون العودة إلى أرض فلسطين.
كذلك تروي "أفنان" أبو حمد، إذ تعتبر أن التفكير بالهجرة من فلسطين، في الفترات الأخيرة بفعل الأوضاع المترديّة صار أمرًا محسومًا بالنسبة لها، حيث سيرمي بها إلى الخروج من قطاع غزّة دون عودة. أفنان وهي أم لخمسة أطفال تقول أنّها تحلم برؤية بلدتها الأصليّة "الجورة"، التي هجّرت عائلتها قسرًا منها، ولكنّها أيضًا ترفض المكوث في غزّة حفاظًا على أطفالها من مخلّفات الحرب، الماديّة والنفسيّة، وللابتعاد عن "نار الفقد" التي ابتلعتها بعد استشهاد والدتها في الحرب الأخيرة على القطاع عام 2014.
تضيف أبو حمد، أنّها وزوجها لا ينفكّان عن البحث على أي فرصة عمل في الخارج من خلال الانترنت، أو أي منحة دراسيّة يستطيع أحدهما الحصول عليها ومن ثمّ السعي لأن تخرج العائلة بجميع أفرادها، بحثًا عن الأمان والاستقرار.
بينما يختلف الحال بالنّسبة إلى حليمة عبد الجواد، حيث أنّها تعتبر الوضع القائم في فلسطين، يدفعها إلى التمسّك أكثر في الأرض، وفي المكوث كما إنجاب الأطفال أيضًا. تقول حليمة إن الأوضاع سيئة على الجميع، وهذا ليس بمبرّر لترك البلاد والذهاب إلى الخارج دون عودة، بل إنّه حافزًا هامًا للتمسّك فيها ومحاربة مساعي اسرائيل التي سعت وما تزال إلى إخضاع الفلسطينيّين لهذه الفكرة.
أمّا عن ابنتها يمنى البالغة من العمر 14 عامًا، فهي ترى أنّ "أمّي أثرت بي من هذا الجانب، أنا واخواتي الثلاثة، حتى في عزّ الحروب، زرعت فينا فكرة الانتماء والتمسّك بحقّنا في العيش هنا حتى وإن كانت الظروف سيئة، وأنا أتفق معها، إن استسلمنا جميعنا فلمن سنترك فلسطين؟" وتتساءل أيضًا: "فعلًا أصبحت الهجرة هي الحل الأوحد أمام البعض؟ هم يكرّرون مأساة الـ48 من دون أن يشعروا، ولكنّنا نحن وكثيرين سنظلّ هنا، حتى لو طالتنا الحرب، فالموت واحد هنا أو بالخارج، وأنا سوف أختاره هنا في وطني وبين عائلتي."























