غزة-نوى:
الكومة المتراكمة من الأزمات التي تعانيها فلسطين وقطاع غزة على وجه التحديد وعلى مختلف الصعد، كان من الممكن أن تدفع بكل مسؤولي البلد للاستقالة من مناصبهم لو أنهم حاسبوا أنفسهم بميزان ماذا قدموا للمواطن، حتى إن احتراق ثلاثة أطفال لم يحرّك هذا الحس لدي أي منهم بل سارعوا إلى تراشق الاتهامات.
واقع الحال أن الأطراف التي تتحكم في القرار تلجأ إلى تقاذف المسؤوليات عوضًا عن تحمل أي منهم لمسؤوليته، واقعٌ دفع الكثير من النشطاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي للتساؤل لماذا لا يستقيل أي مسؤول في البلد على خلفية كل هذه الأزمات.
الضمير الحي
في مقابلة مع نوى يؤكد د.صلاح عبد العاطي، مدير المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات "مسارات" في غزة، إن الاستقالة من العمل العام أو المسؤولية في جزء كبير منها هي ثقافة احترام للشعب الذي انتخب المسؤولين، لأنه من ناحية أخلاقية وقانونية مسؤول عن تقديم الخدمات، والاستقالة موجودة عند من يملكون ضميرًا حيًا حين يقع في خطأ حتى لو لم يكن هو المسؤول المباشر.
يتابع بأننا في مجتمعنا العربي مهما كان الخراب يستمر الجيمع في مناصبهم ويستمرون في تبرير الأخطاء، بل ونجد المسؤولين يبقون لفترات طويلة، فيما الأزمات تتراكم ولا يستقيلون حتى لو هاجرت كل البلد، فمن الصعب أن نجد ثقافة المسؤولية لدى القطاعات التي ما زالت لا تؤمن بالمسؤولية.
يدلل على ذلك أنه في حادث حريق أطفال أبو الهندي الثلاثة الجميع تهرب واغفلوا المشكلة الحقيقية المتمثلة في الانقسام ونتائجه، مضيفًا أن ثقافة الاستقالة تشبعها أعراف ديمقراطية فالمسؤول الذي يرد اسمه في ملف فساد يستقيل كما حدث مع رئيس وزراء نيوزلندا الذي ورد اسمه في وثائق بنما.
يكمل بأننا في فلسطين في كل الجرائم والانتهاكات التي تحدث لم نسمع عن أي مسؤول قدم استقالته ولا يتم فتح تحقيق في ظل غياب مؤسسات النظام السياسي وتعطّل المجلس التشريعي، الذي يفترض أن يكون أداة رقابية؛ لكن حتى نواب التشريعي أنفسهم أحيانًا يشاركون في تبرير الانتهاكات نتيجة أنه محسوب على هذا الطرف أو ذاك.
كذلك يتحدث عبد العاطي عن غياب الرقابة الشعبية وانخراط الناس في أزماتهم اليومية، من فقر وهجرة وبطالة وكهرباء ومياه وطلاق وغيرها وكل هذه الازمات يعانيها المواطن في ظل سلطة بوليسية في الضفة والقطاع، فأصبح أسهل على المواطن أن ينتحر ولا يستطيع مواجهة السلطة لأنها مبنية على نظام استبدادي يشيع مناخًا من الخوف والسطوة القاسية، والأخطر غياب التيار الحقيقي القادر على تنظيم الناس للدفاع عن حقوقهم.
الأصل استقالة الجميع
أما الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله فيؤكد أن إدارة الوضع الفلسطيني أعطت نتائج سلبية جدًا، من الطبيعي بسببها أن يستقيل الكثير ممن يقفون على رأس عملهم، لكن الاستقالة تتطلب ثقافة وليس هناك عربي واحد قدم استقالته.
يكمل بأن الموقع بالنسبة للعرب هو مجموعة من الامتيازات يفقدها إذا خرج من السلطة، بالتالي لا يدخل فيها معيار النجاح أو الفشل؛ الوصول للمنصب جزء منه أسبابه حزبية لخدمة الحزب وجودة حياة مختلفة عن المواطن العادي، خلافًا لبلدان ديمقراطية توفر نفس الحقوق لكل الطبقات.
يؤكد عطا الله أن كل شيء لدينا يقتضي استقالة كل المسؤولين، لدينا فشل سياسي وفشل اداري ولدينا فشل في بناء المؤسسات وفشل في كل شيء، وكله يستدعي استقالة كل من هو في موقع المسؤولية؛ ولكن لن يضع أي مسؤول في وعيه النجاح والفشل حتى يكون موضوع الاستقالة حاضرًا.
يتحدث كذلك عطا الله عن غياب الرأي العام والصحافة وخاصة الاستقصائية التي يمكن أن تطيح بالمسؤولين، فحتى اللحظة هي قليلة ونادرة، إضافة إلى غياب الشارع والنخب فهناك غياب لكل شيء، في الدول الديمقراطية يستقيل المسؤول أو يقيله مسؤوله إذا وردت تقارير صحفية تمسه، لانه سيخجل من مواصلة تواجده في منصبه أو سيخجل منه مسؤوله، لكن هنا مهما قالت الصحافة نجد المسؤول لا يخجل ويستمر في البقاء بمنصبه، وينفي عطاالله أننا مجتمعًا ديمقراطيًا، بل يتحدث عن حالة استبداية غير مسبوقة.
الرقابة الشعبية
أما الناشطة النسوية نادية أبو نحلة، مديرة طاقم شؤون المرأة، فترى أن المسؤول يمكن أن يفكر بالاستقالة إذا كان هناك رقابة شعبية ومؤسساتية، لكن واقع الحال يؤكد غياب هذه السلطة الشعبية، وفي ظل غياب الرقابة الشعبية والمساءلة المجتمعية لا يمكن لأي مسؤول أن يضحي بامتيازاته التي حصل عليها من منصبه.
أما الإشكالية الثانية والتي تجعل من المسؤولين لا يقدمون على الاستقالة هي أن الوضع العام غير قانوني، فكيف يمكن لأي مسؤول أن يتخذ قرارًا فيه تثبيت لحكم الشعب كقرار الاستقالة من منصبه إذا فشل في مهامه.
تكمل بأن المسؤول الذي يقدم استقالاته يكون عادة لديه نوع من الاحترام للقانون، فكيف يكون هذا وغالبيتهم خارج القانون أصلًا، وبغض النظر عن أن وصولهم لمواقعهم كان على أسس حزبية، فمثلًا المجلس التشريعي لا يقوم بأي دور ومع ذلك يتواجدون.
تتابع بأن الحزبية لا تعني أنهم لا يمثلون المجتمع، بل هم لا يقوموا بدورهم تجاه برنامجهم الانتخابي لان البرامج التي تم تقديمها كانت عبارة عن خطابات رنانة فقط.
تضيف أن غياب دور ضاغط للشعب وعدم تسلّم النخب زمام المبادرة من أجل إحداث التغيير والضغط على صناع القرار جعل الأمور تبدو أعقد، فمشاكل الناس كثيرة وكلها تحتاج إلى حلن وكل أشكال الفساد موجودة ومع ذلك لا تتم المحاسبة.
تنفي أبو نحلة أننا مجتمعًا ديمقراطيًا وتؤكد أن هناك فجوة كبيرة جدًا بين النظرية والتطبيق؛ فنحن لم نصل بعد لمرحلة المساواة التامة في الحقوق والواجبات ولا توجد لدينا مفاهيم المواطنة القائمة على العدل والفرص المتساوية، هناك من هم فوق القانون، وهناك من انتهت صلاحيته مثل الرئيس والمجلس التشريعي وما زالوا يمارسون مهامهم وكلهم لا يستقيلون.























