مع تواصل الجدل حول قانون "الضمان الاجتماعي" وحتى بعد إقراره من الرئيس ونشره في الصحف الرسمية، وبغض النظر عن تفاصيل الاعتراضات أو الاقتراحات أو الإضافات التي يتم المطالبة بها، إلا أن موضوع الضمان الاجتماعي، أو توفير نوع من الحماية للشخص والناس، وبالأخص في ظروف استثنائية مثل العجز أو المرض أو الشيخوخة أو الفقر أو البطالة، أو غير ذلك من الأمور، يعتبر من الأمور الأساسية أو الحيوية للناس، في كثير من الدول والمجتمعات. وبعيداً عن الأساليب أو التدخلات التقليدية من قبل الدولة لتوفير نوع من الأمان الاجتماعي للمواطن، إلا أن هناك العديد من المؤسسات، ومن ضمنها الدولية والإقليمية، تقوم بالعمل على محاربة الفقر والحد من البطالة، من خلال دعم تطبيق فلسفة "المشاريع الصغيرة المستدامة"، أي المشاريع التي لا تنتهي مع نضوب الدعم أو المنح، بل تستمر من خلال ناتجها الذاتي، وتنمو وتكبر وتتوسع، سواء من ناحية الكمية، أو النوعية، أي تتفرع إلى أعمال أخرى، قد تكون لها علاقة ما بالعمل الأصلي أو قد لا يكون، واستراتيجية الدعم هذه، يمكن أن تتم من خلال الدعم المادي المباشر، أو من خلال التدريب، أو دراسات الجدوى، أو المساعدة في التخطيط والتقييم، أو من خلال كل هذه الأعمال معاً، وهذه الاستراتيجية هي ما نحتاجها في بلادنا لمحاربة الفقر، أو الحد من البطالة، ومن المعروف أنهما مترابطان. وفي بلادنا، حين تصل نسبة الفقر إلى حوالى 25%، أي حوالى ربع السكان، فإن الأمر يتطلب أكثر من توزيع المساعدات العينية أو المادية مع بداية كل شهر، بل يتطلب حلولاً لها صفة الاستدامة، أي مساعدات لمرة واحدة فقط، تنهي الاعتماد على الحكومة أو غيرها من الجهات، وتنهي عملية الانتظار حتى نهاية الشهر لتلقي المساعدات، وتخلق روح المسؤولية والكرامة والأهم روح العمل والمثابرة وترسخ مبدأ الاعتماد على الذات وليس على الحكومة أو الآخرين. والمشاريع الصغيرة المستدامة، ذات التكلفة غير المرتفعة سواء أكانت تتمثل بإنشاء معمل خياطة متواضع مثلاً، أو بيت بلاستيكي للزراعة، أو اقتناء بعض الأغنام أو الأبقار للحم أو للحليب، أو حتى اقتناء ورشة حدادة أو ميكانيك أو لإصلاح الكمبيوتر، أو تبني اكتشاف أو اختراع جديد، وما إلى ذلك من الأمثلة، هي المشاريع التي تعتمد على نفسها أو ناتجها وبشكل دائم، وهذه المشاريع تبدو هي الأمثل والأكثر واقعية والأكثر إنسانية أو الأكثر كرامة لمعالجة الفقر في بلادنا، وبالطبع هذه المشاريع ورغم حجمها أو قلة تكاليفها أو مساهماتها في الاقتصاد، إلا أنها تعتبر مشاريع ريادية. ومع تواصل النقاش حول قانون "الضمان ألاجتماعي"، وبالطبع هو نقاش صحي، إلا أنه من الأحرى في بلادنا، أن نهتم أكثر بالكفاءات البشرية التي تبحث عن فرصة للبدء بمشروع، وأن نقدم التسهيلات، بدءاً من المكان والبنية التحتية، وكذلك تخصيص الصناديق لذلك، ليس فقط للبدء بالمشروع ولكن كإحدى الضمانات في حال الفشل، ولا يعني هذا أن الدعم والتشجيع يقع على الحكومة فقط، فهناك دور هام للقطاع الخاص الفلسطيني، ولمؤسسات الدعم العامة، في رعاية ودعم وتشجيع الإبداع والابتكار والريادة، والأهم اعتبار المشاريع الريادية، وبغض النظر عن حجمها أو أهميتها إحدى الركائز المهمة لمكافحة الفقر والبطالة، سواء خلال المدى القصير أو الطويل، وبشكل مستدام وبالتالي العمل على نمو وتطوير الاقتصاد الفلسطيني. هل نشجع الاستثمار الخاص في القطاع الزراعي؟ لا جدال في أن القطاع الخاص في أي بلد، وبالأخص في بلادنا، هو الحل العملي لأزمة البطالة، أي هو الحاضنة التي من الممكن أن تعمل على تشغيل الآلاف من الأيدي العاملة، في قطاعات مختلفة ومنها قطاعات خدماتية وإنتاجية مثل قطاعي الزراعة والصناعة، ومع عزوف الكثير عن القطاع الزراعي، وعدم إيلاء الاهتمام الكافي من الحكومة لهذا القطاع، فالسؤال هو: هل توجد محفزات ومشجعات للقطاع الخاص للاستثمار في الزراعة وبالتالي إمكانية تحقيق الأرباح وتشغيل أيدي عاملة؟ نسمع من مسؤولين، ومن مختلف المستويات عن أهمية دعم القطاع الخاص، وعن دوره الحيوي، ليس فقط في الاقتصاد الوطني وإنما في عملية البناء والتقدم وبالتالي تشجيعه للاستثمار وتوفير البيئة الملائمة للقيام بذلك، ونسمع ونقرأ كذلك عن أهمية القطاع الزراعي، كقطاع إنتاجي، وكقطاع من قطاعات أو عناصر تحقيق الأمن الغذائي في فلسطين، وكمثال على تحقيق التمكين الذاتي وكدعامة للاعتماد على المزيد على الذات ولتعزيز القدرات الذاتية. وبما أن القطاعين: الزراعي والخاص مهمان، فإن عملهما معاً، أي استثمار القطاع الخاص في الزراعة الفلسطينية، يعتبر منطقياً وحيوياً، على الصعيد الوطني وعلى صعيد تحقيق الفوائد أو الأرباح التي يهدف إليها القطاع الخاص، وإذا كان هناك مقومات يجب توفرها للقطاع الزراعي، لكي يعمل وينتج ويستمر في الإنتاج، فإن هناك دوراً للقطاع العام أية الحكومة في توفير هذه المقومات أو توفير البيئة الملائمة لكي يستثمر القطاع الخاص في هذه المقومات، وهذا يشمل المياه، بالكمية والنوعية اللازمة لذلك النوع من الزراعة ولتلك البقعة من الأرض، ويشمل كذلك الأرض أو التربة الملائمة لأي محصول وبأية منطقة وبأية خصوبة، ويشمل كذلك مقومات أساسية للزراعة الحديثة المجدية من أسمدة، ومبيدات وبلاستيك، وكذلك توفير الأيدي العاملة المدربة التي تزرع وتعبئ وتسوق المحصول، وما إلى ذلك. ودون شك، إن تعاون القطاع الرسمي من وزارات وهيئات استثمارية حكومية مهم في وضع الأولويات وتوفير البيئة والظروف والتشجيع، مع القطاع الخاص والذي ملك ويملك تجارب ناجحة ومربحة في الاستثمار في القطاع الزراعي، وبكل مكوناته، بدءاً من استصلاح الأرض، والزراعة، وتحضير أو تسويق المحصول سواء للاستهلاك المحلي أو للتصدير، وكذلك تجارب ناجحة في التصنيع الزراعي، وفي مجالات عديدة، ويملك كذلك القطاع الخاص أو يستطيع أن يحصل وبسهولة على الكفاءات البشرية المتنوعة والمدربة وفي مجالات زراعية عديدة من المجتمع الفلسطيني، هو تعاون ضروري مطلوب. وإن هذا التعاون يبدو حيوياً، للاستثمار ولتحفيز قطاع اقتصادي مثل القطاع الزراعي، ليس فقط هاماً للاقتصاد وإنما للأمن الغذائي وللاستقرار الاجتماعي الفلسطيني، والأمثلة على ارتفاع الأسعار وشح المنتجات خلال الفترات الماضية خير دليل على ذلك، ولترجمة هذا التعاون وبشكل عملي، فإن ذلك ربما يتطلب تشكيل هيئة تنسيقية بين المهتمين والعاملين في القطاع الزراعي، تدرس الخيارات، وتحدد الأولويات وكذلك الإمكانيات، وتوفر الظروف للاستثمار في الزراعة الفلسطينية، بحيث لا يعود غلاء الأسعار الجنوني أو نقص المنتجات أو التحكم فيها من أطراف خارجية، يحدث مرة تلو الأخرى.























