لا أحد فينا نحن المترفين بعيشنا يعرف كيف يتخذ المنتحر قرار الموت ولا نتخيل أصلاً أن أحداً يفكر في ذلك، من الواضح أن المسألة هي نتاج ظروف جعلت لون الحياة أسود قاتم أو جعلت الحياة والموت يتشابهان في لعبة العبث الدائرة في غزة أو ربما يرى المنتحر أن الموت هو وضع حد لمأساة فردية عجز أمامها لدرجة الاستسلام فأراد أن ينجو بالموت. هي قصة تراجيديا لا تنتهي في غزة باتت جزء من المشهد الاجتماعي والسياسي تكررت لتصبح ظاهرة دون أن تستوقف أحد لا مسئولين ولا حكومات ولا مراكز دراسات ولا أحزاب وفصائل إلا بعض الكتاب الذين باتوا يكررون السؤال للحكام للمرة الألف إلى أين أنتم ذاهبون؟ وماهي نهاية مسرحية العبث هذه؟ دون أن يتواضع أحد بالاهتمام بالاجابة على سؤال اللحظة البائسة إلا من شعارات أصبحت تكرر نفسها حد الملل لا نعرف إذا كان يصدقها غير أصحابها. المنتحر قبل الأخير رجل في منتصف الأربعينات عجزت كل برامجنا الكسيحة عن توفير تأمين صحي له ولعائلته أو تأمين فرصة عمل لتغطية مرضه أو أولاده وجد بطاقة هويته محجوزة في مستشفى شهداء الأقصى لأنه لا يستطيع دفع سبعمائة شيكل وحال حجزها دون استلامه كوبونة متواضعة هي دخله الوحيد لم يجد بداً سوى أن يحرق نفسه ليحاسب ضمائر كل المسئولين أو يعتقد أن هناك ضمائر ستهتز. بالأمس انتحر الشاب عبد الرحمن ياسين لا أحد يعرف رقمه في قائمة المنتحرين لكن بالتأكيد أراد ربما كمن سبقوه في القائمة إحداث رجة عنيفة لقلوب توقفت عن الاحساس منذ سنوات ومشغولة بأشياء أخرى حد العمى عن رؤية هموم الناس البسيطة وعواطفها وآلامها وآمالها وأحلامها التي تبخرت. لكل المنتحرين مع وقف التنفيذ توقفوا عن هذا الفعل ولا تصدمونا أكثر تاركين خلفكم واحدة من قصص البؤساء التي لم يكتبها فكتور هوجو لا تحزنونا أكثر فالناس تشبعت من الهم والحزن ما يكفي لسرد روايات للأحفاد عن غزة، توقفوا عن الانتحار ولا تفعلوها لأنكم لن تهزوا شعرة واحدة في لحية مسئول وتخطئون اذا اعتقدتم أن أي منهم سيسأل عنكم. ستقول السلطة ببرود أن هذا هو نتاج حكم حركة حماس، أما الحركة التي تحكم غزة لن تتأثر كثيراً محملة المسئولية للحصار دون أن تفكر بمسئوليتها وربما تنشغل بتبيان الحكم الشرعي لادانتكم لارتكاب الجريمة التي لن ينقذكم من عقابها الا موتكم، أما الفصائل الأخرى الأخرى بالكاد ربما تكرر تعاطفها وحزنها دون أن تصدر بيان حتى محملة مسئولية ما آلت اليه الأوضاع كعادتها لطرفي الانقسام. لن يأبه بكم أحد يا أصدقائي فلا يعنيهم موتكم ماذا نساوي جميعنا في نظر المسئول؟ لا شيء ...حياتكم أو موتكم بالنسبة له متشابهان ولن يكترث سواء كنتم في القبر أم متسولون على الطرقات لا يهم تفكرون بالانتحار أو بالهجرة لا يهم أيضاً، أتذكرون عندما غرق الشباب الهاربين من جحيم غزة بعد حربها الأخيرة ماذا قالوا؟ قالوا أن غزة تلفظ قمامتها وإلى الجحيم. ماذا يعني أن يموت العشرات أو المئات أو الآلاف حتى في عرف الحكام العرب؟ لاشيء فقد أثبتت التجربة أن مفهوم السلطة بالنسبة للعقل العربي مختلف تماماً عما يعتقد المواطن العربي، فمن يعتقد أن ثقافة ممارستها بالنسبة للقادة تعني خدمة الناس ومصالح الناس يبدو أنه بحاجة إلى اعادة قراءة تاريخنا الطويل من الصراعات التي كان ولا زال وقودها الأول الشعوب العربية ، عليه أن يدقق أكثر في النموذج الفلسطيني في الحكم ليعرف أي ثقافة حكم نبني نحن!! تجربتنا تدعو للخجل، نحكم أنفسنا تحت الاحتلال الذي يتحكم بكل شيء يحول دون ايجاد فرص عمل لعشرات الآلاف من الشباب ولازلنا نصر على ممارسة الحكم بأسوأ صوره تحت الحصار أو تحت السيطرة الاسرائيلية دون أن نفكر بهؤلاء ، المهم أن نحكم، انها غريزة العربي وثقافته وثقافة الشعوب من بوعزيزي إلى عبد الرحمن أبو ياسين وحلم اسقاط الطغاة .
[email protected]
*نبا برس























