كان مشهد الحشود البشرية التي خرجت في مدينة طرابلس شمال لبنان لاستقبال سعد المصري، وهو أحد قادة محاور القتال الأهلي في المدينة، مُفزعاً حقاً. مئات من البشر تجمّعوا للاحتفال بخروج سجين أمضى سنتين في الحبس بتهم أقلها إطلاق النار على الجيش اللبناني. وهؤلاء لم يوفروا رصاصة إلا أطلقوها في الفضاء ابتهاجاً، وأقاموا احتفالاً بالمفرقعات والطبول وأبواق السيارات المنفّرة. واللافت أن سعد الحريري، شريك سعد المصري في الاسم الأول، لم يحظَ بهذه الجماهير حين زار تلك المدينة مؤخراً، الأمر الذي يشير إلى تحولات خَطِرة في المجتمع الأهلي اللبناني الذي يختزن غضباً متزايداً، وتعصباً لا يخفى على أحد، وكراهية لا تخجل من الإفصاح عن نفسها. وعلى هذا المنوال، لو خرج الشيخ أحمد الأسير من السجن لاستقبلته جماهير مدينة صيدا بمثل ما استُقبل به سعد المصري وأكثر. فأحمد الأسير رجل دين، وسعد المصري غرّ من أغرار ميليشيات الأحياء المهمّشة. وبرهاني أن مئات من النساء المبرقعات احتشدن في صيدا للمطالبة بإطلاق أزواجهن المتهمين بجرائم إرهابية كالشيخ الأسير نفسه... فيا للمفارقة. هل سمع أحد أن «الجماهير» تطالب بإطلاق المجرمين إلا في لبنان؟ المأنوس أن الناس تتظاهر لإيقاع القصاص بالمجرمين، لا لتخلية سبيلهم.
لبنان يتحلل شيئاً فشيئاً للأسف. حتى الحراك الشعبي المتمدن ضد الفساد والنهب والنفايات الذي توهّمنا أنه سيؤسس تياراً مستقلاً عن الطوائف والأحزاب الطائفية المبتذلة، تبخّر ما إن اتفق زعماء الطوائف على حلّ قذر لقاذورات البلد. لبنان بات مثل حي هارلم في الماضي، أو مثل شيكاغو في زمن العصابات، ولعله يشبه كولومبيا إلى حدّ ما: أدوية منتهية الصلاحية يتداوى بها الناس، والمطاعم تقدّم مأكولات غير صالحة للاستخدام البشري، والقمح الموجود في أهراءات الدولة تعبث به القوارض ويحتوي موادَّ شديدة السُمّية ومسرطنة، ونهب أموال الدولة يجري على المكشوف وليس في الخفاء كما كان في الماضي، وتزوير سندات الملكية للاستيلاء على أراضي الدولة وأراضي المغتربين لا يتوقف، وتجارة المخدرات وتبيض الأموال هما الأكثر ربحية، ومحطات خفية للاتصال الخارجي تعمل من دون ترخيص. وبرغم ذلك، ما برحت أخبار الزعماء «المحبوبين والمهضومين» الذين لا حدود لنهبهم الأموال العامة والخاصة، علاوة على المساعدات الخارجية، ولا أستثني أحداً قط، تغمر الصفحات الأولى من الجرائد اللبنانية التي تتعرض اليوم لمحنة الإقفال كـ «السفير» و «اللواء» و «البلد»، أو لغضب الغوغاء مثلما حدث لجريدة «الشرق الأوسط». وفي هذه الحال لن يبقى في العاصمة التي اشتهرت بأنها عاصمة الصحافة العربية إلا الصحف المتدنية قدراً وقيمة.
في زمن مضى كتب الصحافي جورج نقاش مقالات عدة في جريدة «لوريان لوجور» يهاجم فيها رئيسَي الجمهورية بشارة الخوري والحكومة رياض الصلح، فقدّمه المدعي العام إلى المحاكمة. وما إن بدأت جلسة المحاكمة حتى دخل «القبضاي» أبو عفيف كريدية إلى قاعة المحكمة، وهو يشهر مسدسَيْن، وراح يطلق النار هنا وهناك ويتوعّد ويقول: «إلّي بهاجم رئيسنا بشارة الخوري وزعيمنا رياض الصلح بقوّصو». ثم خرج أبو عفيف كريدية من دون أن يعترضه أحد ولا حتى الشرطة، فقد كان من أنصار رياض الصلح (أنظر: عبد الرحمن بدوي، سيرة حياتي، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2000).
ليس غريباً بعد هذه الحال أن يهاجر اللبنانيون «الأوادم» إلى أي مكان في العالم، ولا يبقى إلا المغلوبون، وهم كثرة، والأوباش وهم قلة. لنتذكّر إسبانيا قبيل سقوط الدكتاتورية؛ فحين استقر القرار على إزاحة فرانكو عن السلطة وإخراجه من القصر الرئاسي، راحت الجموع تتجمهر أمام القصر احتفالاً. فسأل فرانكو عما يحدث، وما يريد هؤلاء، فقيل له إن الشعب جاء ليودّعك. فتساءل متعجّباً ومندهشاً: إلى أين يرحل الشعب؟
إسألوا اللبنانيين.























