وصول وفد المعزين الرسميين الفلسطينيين الى قرية "جولس" في الجليل للمشاركة في "بيت عزاء" ضابط "الإدارة المدنية" الإسرائيلي العميد "منير عمار" الذي تبين، حسب توضيحات لاحقة، أنه شخص لطيف واحتلالي طيب ومتنور!، كان صادماً.
صور "الوفد" في مقدمة بيت العزاء، وإشارات الأسى والافتقاد كانت جلية، خاصة بعد توضيحات، تخص الوفد هذه المرة، الذي ذهب بصفته الشخصية لا الرسمية، بحيث يمكن الوصول الى مشهد "انساني"يضم ضابطاً لطيفاً ميتاً وأصدقاء أوفياء.
في الظلال، خلف الوفد وخلف العزاء وخلف الحزن والتوضيحات، يقف ضابط برتبة عميد. ضابط فلسطيني عربي في جيش الاحتلال، هذه المفارقة التراجيدية التي ترافقنا منذ النكبة، وتتبعنا مثل جرح عميق نغطيه بالتجاهل كما نتعامل مع تعقيد مسلم به يضاف الى تعقيدات الصراع مع الاحتلال، ويسبقنا مثل حفرة نواصل التعثر بها كلما تحدثنا عن المشروع الوطني الفلسطيني في الداخل.
عندما يتحدث الفلسطينيون عن أولئك الجنود يخرجونهم، كما لو باتفاق، من النسيج الاجتماعي الفلسطيني، وكما لو باتفاق أيضاً يجري عزلهم داخل الطائفة، ويجردونهم تماما من فلسطينيتهم ويكتفون بوصف طائفي في تماه واضح مع الفكرة الاسرائيلية.
يجري الحديث بينما يواصل شبان فلسطينيون في الثامنة عشرة مغادرة بيوتهم في قرى الجليل والنقب والوقوف في محطات الحافلات على الطرق السريعة بانتظار "حافلة الجيش". ضباط وجنود فلسطينيون من أبناء الطائفة الدرزية على وجه الخصوص، وأجيال من عائلات يتابع ابناؤها الخدمة في جيش الاحتلال وحروبه. من يذكر قائد الهجوم الدموي على حي الشجاعية في العدوان الأخير على غزة والذي أصيب بجروح وعاد الى موقعه قبل التئام جروحه. كان ضابطاً فلسطينياً في جيش الاحتلال.
ضابط المخابرات على جسر الكرامة الذي حقق معي اكثر من مرة كان فلسطينياً ويحب الشعر ومحمود درويش، وهو غير الجندي اليهودي الاشيكنازي الذي أوقفني على "حاجز طيار" بين "كوبر" و"المزرعة الغربية" بعد منتصف الليل، وعندما رأى كتاب "اميخاي" على مقعد السيارة، اقترح علي قراءة "بياليك".
بالنسبة لنا هنا في الضفة الغربية، يملك معظمنا حكايات عن هؤلاء الجنود الذين يمكن أن تلتقيهم على الحواجز والمعابر وعمليات اقتحام البلدات والقرى والبيوت ودوريات "حرس الحدود" سيئة الصيت.
في أوساط الطائفة الدرزية الفلسطينية قرروا منذ زمن مواجهة هذا الاختراق. تحلى الكثيرون من أبناء الطائفة بالشجاعة عندما رفضوا التجنيد في جيش الاحتلال والامتيازات المعيشية وفضلوا الذهاب الى السجن. هناك شبان يهود فعلوا ذلك بشجاعة أيضا.وهذه الحركة الشجاعة التي قادها مثقفون حقيقيون مثل الراحلين سميح القاسم وسلمان ناطور، تركت أثرها الواضح في أوساط الطائفة الدرزية.
ولكن زيارة من نوع "زيارة العزاء" تلك، أيا كانت صفة المشاركين فيها، ستتسبب بتقويض جهد هذه الحركة والإضرار بمنجزها.وهذا بالضبط ما فعله "الوفد" عندما اختار الجلوس في "الجانب الآخر".
صحيح أن ما حصل لن يوقف الحركة الشجاعة، إلا أنه سيضر بها دون شك.
لقد أساء "المعزون" لشعبهم ولتاريخهم الشخصي عندما شاركوا في حفلة "التأبين" وذكر محاسن "الفقيد"، وعندما تجشموا عناء الطريق. ولا شك انهم مروا في طريقهم بقرى وبيوت عزاء كثيرة يجلس فيها آباء وأمهات بانتظار الافراج عن جثث ابنائهم وبناتهم المخطوفة. بيوت مفتوحة للشبان والشابات من الفلسطينيين الذين اعدمتهم دوريات الاحتلال في الشوارع.
في مقالته حول حادثة العزاء، يتناول الصديق الصحفي ناصر اللحام ما ورد في كلمة وزير الجيش الاسرائيلي "موشي يعالون" في الاحتفال، عندما وصف "منير عمار" بـ "صديق إسرائيل".
هذا هو الحد الأقصى الذي يمكن أن يحصل عليه فلسطيني أمضى حياته في خدمة اسرائيل واحتلالها عبر الانخراط في جيشها الذي يواصل قتل شعبه.
هذا هو الوسام الأعلى الذي يمكن أن يعلّق على نعشه ويعلق في سيرته إلى أبد الأحفاد: "كان صديقا لإسرائيل".
كانت مراسم الدفن أشبه باستلام وتسليم. ها هو يعود إلى عائلته وشعبه. ويمكن هؤلاء التصرف به ميتاً بعدما استنفذه جيش الاحتلال حياً.
خذوه فقد كان صديقاً لإسرائيل.
يؤمن "يعالون" انه يقوم بمديح الرجل عندما يقول ذلك، وانه ينزهه عن بقية الفلسطينيين الذين يواصلون حمل السكاكين والتجول في الشوارع بحثاً عن اليهود، او الفتيان الذين يعبرون من وراء سياج المستعمرات في الضفة الغربية ويقلقون بلهجاتهم القروية نوم المستعمرين.
يؤمن بعقله العنصري أن إشارة الحياة الوحيدة التي كان يحملها ضابط الاحتلال ورئيس الادارة المدنية العميد منير عمار من قرية جولس، هي اشارة رتبته العسكرية، ذلك هو الذي أنقذه من مصيره ك "عربي" ومنحه تلك الصفة التي لخصت وجوده في كونه "صديقاً لإسرائيل" في دولة اليهود، وليس اسرائيلياً.























