غزة-نوى:
بعد توقف صحيفة الاندبندنت البريطانية عن إصدار نسختها الورقة والتحوّل كليًا إلى النسخة الالكترونية، أثير التساؤل حول احتمال أن تسحب الصحافة الالكترونية البساط من تحت الحبر والورق، خاصة مع توفر خدمة الانترنت بشكل واسع وانتشار الصحف والمواقع الالكترونية.
التجربة العربية لم تخلُ من توقف صحف مطبوعة وتحوّلها إلى الالكترونية ولو مؤقتًا كما حدث مع صحيفة الدستور المصرية، كما تكرر الأمر ذاته مع الصحف المطبوعة في قطاع غزة أثناء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2014 وكذلك عدوان عام 2009 وتحولها بالكامل إلى الكترونية.
خط دفاع
في مقابلة مع نوى يقول د.ماجد تربان أستاذ الصحافة الالكترونية في جامعة الأقصى، يؤكد إن الصحافة الالكترونية رغم كل ذلك لم توقف الورقية، بل إن هناك مواقعًا قائمة بذاتها كما يوجد نسخ الالكترونية لصحف ورقية، وحتى بالنسبة للصحف التي أوقفت نسخها الورقية بقيت الالكترونية خط دفاع كأحد متطلبات مواجهة الأزمات.
وتابع :"في ظل الأزمات التي تعصف بالعالم، أزمات اقتصادية وأزمة الورق وارتفاع البورصة، بالتالي تكلفة صناعة الصحافة في ظل وجود منافسين للإعلانات ودخول صحافة المواطن على الخط، تأثرت الصحافة المطبوعة، فحتى الخبر يتم تناوله عبر الإعلام الاجتماعي أولًا، ولدينا تجربة في العالم العربية بتوقف النسخ الورقية عن الصدور كما حدث في مصر ولبنان".
يكمل :"إبان حكم مبارك حدثت اشكالية بين الحكومة المصرية وصحيفة الدستور، فأوقفت الدستور نسختها الورقية وبقيت الالكترونية، وكذلك في حدث أن توقفت صحيفة فلسطين والرسالة أثناء العدوان الإسرائيلي، وفي ظل الحصار وعدم دخول الصحف الورقية لعدة سنوات كانت النسخة الالكترونية متوفرة".
لكن تربان يوضح إن الصحف الالكترونية أثّرت على توزيع الصحف الورقية، إلا أن القدس كان لها تجربة متميزة بهذا الشأن، فقد استثمرت التقنيات التكنولوجية من فيديو التي تتيحها شبكة الانترنت، وأبقت نسختها الورقية مختلفة تمامًا عن الالكترونية وهذا هو الأصل، بحيث لم تؤثر على الورقية برونقها وجمالها وجمهورها.
عوامل التراجع
في الواقع فإن عدد قرّاء الصحف انخفض أيضًا ليس فقط بسبب الصحافة الالكترونية، بل كذلك لوجود عدة بدائل أخرى كالإذاعة والتلفزيون، كذلك الوضع الاقتصادي السيء، فمن الذي سيشتري صحيفة إن كان لا يبحث عن قوت يومه، كما يؤكد تربان.
لكن التحديات التي تعانيها الصحف الورقية في قطاع غزة كثيرة، فمثلًا صحيفتي الحياة وفلسطين توزعان جزءًا من أعدادهما مجانًا، وتنحصر المشكلة في صحيفة الأيام التي لجأت لفترة لتأجيل نشر نسختها الالكترونية حتى انتهاء توزيع الورقية فكانت النتيجة انخفاض عدد القراء الالكترونيين، فعادت مجددًا للنشر المتزامن، كما يوضح تربان.
الصحافة التفسيرية ...حل
يضيف إن المقومات البشرية متوفرة ولكن يبقى ضرورة توفير الامكانيات التقنية لمعالجة عدد القراء الذي ينخفض، وكذلك تدريب الكادر البشري على الصحافة التفسيرية فنحن لا يوجد لدينا هذا النوع من الصحافة التي تجعل تجذب القارئ، وإلا فما الذي يجعل صحيفة نيويورك تايمز هي المتربعة على عرش الصحافة الأمريكية؛ فهي تمكنت من التكيّف مع الواقع الجديد.
يوضح :"صحفنا لم تتكيف بعد، فالخبر المطبوع هو ذاته الالكتروني، لدينا ضعف في التقارير وخلط شائن في الخلط بين الفنون، الوصول إلى المعلومات صعبة بسبب الانقسام والوضع السياسي الذي يتحيه فقط لجهات دون أخرى".
إذا أرادت الصحافة الخروج من المأزق فيجب أن تتكيف مع الواقع الجديد والوصول للمعلومات بدقة، وان يكون لديها مفهوم الصحافة الالكترونية بشكل متكامل بموظفيها وأسس عملها، القدس مثلًا أضافت كوادر لنسختها الالكترونية فتحسنت ويبقى عليها الدخول في الصحافة التفسيرية كما يؤكد تربان.
"القصص والتقارير التحليلية المتميزة والموضوعية غير موجودة، الصحافة الاستقصائية غير موجودة، التبعية الحزبية هي إحدى مشكلات الصحف الورقية، فهي توزع فقط لجمهورها، لكن رغم ذلك نقول أن الصحف الالكترونية تبقى منقذًا للصحف الورقية ولم تسحب البساط من تحتها".
أما الباحثة والصحفية ميرفت أبو جامع فتؤكد إن تاريخ وسائل الإعلام منذ اختراع المطبعة وظهور الصحف والمجلات ومع تطور وسائل الاتصال واختراع الراديو ومن ثم التلفزيون وظهور الفضائيات والانترنت، كل هذه الوسائل عبر المراحل التاريخية لم تلغِ واحدة الأخرى، وهذا يتوقف على الجمهور.
تكمل بأن لكل وسيلة جمهورها الخاص الذي لا يزال يتابعها ويختارها عن الوسائل الأخرى، وأيضا على ما تقدمه من محتوى، وما يتسق مع التطورات التكنولوجية الحديثة، وملاحقتها في أجواء منافسة كبيرة. وتحديات من أجل الحفاظ على وجودها.
مطلوب مراجعة
"من خلال تتبع ما يتعلق بالصحف الورقية، نعم نقرّ أن هناك تراجعًا كبيرًا، بل تهديد لمستقبل هذه الصحف، في ظل انتشار البدائل الحديثة؛ واعتماد الجمهور على وسائل الاتصال الإلكترونية الحديثة القائمة على استخدام الإنترنت، حيث خلق فضاء أكبر للمعرفة والحرية، وتدفق وتداول الحر للمعلومات"، كما تؤكد أبو جامع.
ترى أبو جامع بأن الأمر يستدعي مراجعة من قبل الصحف الورقية، فإن كانت صحف عالمية كبيرة ذات انتشار واسع كالاندبندنت البريطانية استغنت عن نسختها الورقية، لتواصل طريقها الإلكتروني، ويجعل صحفنا اليوم تعيد بناء استراتيجيتها في ضوء هذه التجربة.
وتقدّر أبو جامع بأن الصحافة الورقية لن تنتهي، لكن صحفنا ما تزال عاجزة عن خلق استراتيجيات تستند إلى تكامل الأدوار بين الورقي والالكتروني، بالتالي يتوجّب على القائمين على إدارة الصحف أن يدركوا جيدًا أن عهد الأخبار ولّى من الصحف الورقية، لم يعد القارئ ينتظر 24 ساعة ليقرأ أخبار اليوم، لكن لا أحد يفكر في التغيير، وهذا يعني بالضرورة أن خطر إغلاق الصحف سيظل قائمًا إن بقيت على ما هي عليه الآن.
ترى أبو جامع أنه يتوجّب على القائمين على الصحف الورقية إعادة بناء استراتيجيتها من خلال الخروج عن الإطار الإخباري، والاتجاه نحو التميز في القصص والتقارير والتحقيقات المعمّقة والاستقصائية والتحليلات الحصرية، التي تنشر ورقيًا فقط، ويؤخر نشرها الكترونيًا بحد أقصاه ٢٤ ساعة، مع الترويج لها باستخدام مواقع التواصل الاجتماعي لحث القارئ على حيازة المطبوعة.























