شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 08 اعسطس 2026م22:51 بتوقيت القدس

الحرب تبصُق سموماً وتنهشُ سلاماً

28 مارس 2016 - 10:52
ربا عطا الله
شبكة نوى، فلسطينيات:

 في الحرب تنعدم الحرية، يزداد الفقدان، تُبَثّ سموم الموت في كل الأنفُس، تتغطى السماء بطبقة مرصوصة من الطائرات التي تحجب الأمل المنبعث من نجومها، الأمل الذي يُشَعّ من بريق تلك النجوم ليخترق عدسة العين وغلاف القلب معاً، نعم.. في الحرب ينعدم كلّ الأمل، في الحرب يصبح القلب محطّ ضرباتٍ سريعةٍ ودمٍ أسودٍ وعروقٍ شاحبةٍ تبث الموت في جسد الحي ليقضي على السلام المتربع في جسدٍ أصبح هشاً لا يفكر إلا بكيفية النجاة من معركة الوجود والانعدام. ” ببساطة لا أستطيع أن أبني آمالي على أساس من الحيرة والبؤس والموت لكني أعتقد أن السلام والهدوء سيعودان مرة أخرى” كلمات دوّنتها الطفلة اليهودية الألمانية آن فرانك في دفتر مذكراتها “يوميات فتاة صغيرة” حين لجأت إلى هولندا إثر حرب الاعتداءات النازية التي التهمت رؤوس اليهود الألمان صغاراً وكباراً .. آن سلمت من الحرب لكن جسدها الهزيل لم يسلم من المرض اللعين الذي قضى عليها إثر اختباءها في مركز للإيواء خوفاً من الحرب، والذي انتشر فيه وباء “التيفوس” الذي نجح بكلّ وقاحةٍ من القضاء على أرواحٍ كُثُر.. هنا في هذه الحادثة إشارة إلى أن الحرب ما هي إلا وحش مفترس يحاول فيها البطل امتطاء الخيل ومحاربته بسيفه وحنكته وينجح أولاً، لترسل الأخرى أعوانها للقضاء على البطل والخيل معاً ويفشل أخيراً، آن كانت تمتلك شيئاً من الأمل في عودة السلام والهدوء كما تحلم كل روح تقذفها النيران والقذائف، ولكن سرعان ما اختفطها الموت ممتطياً مركبه الواسع ليحمل الأرواح كلّها على ظهره، الأرواح الفانية بغيابها والباقية بتعاستها. كتب زميلي فؤاد عياد ذات يوم عن بعض المواقف التي عاشها خلال حرب ال٢٠٠٨-٢٠٠٩ على قطاع غزة حيث وثق ذلك الموقف بقوله” كنت أجلس مع عائلتي في أحد أيام الحرب نستمع إلى أحد الاذاعات العبرية التي بثت لقاءً مع أحد الطيارين الاسرائيليين الذي وصف تجربته بالقول -غزة تبدو كشجرة عيد ميلاد تزينها الأنوار من كل جانب- يا لسخافته! لن أنسى تلك الجملة ولن أنسى أن الراديو الذي كنا نستمع إليه كان يعمل على البطاريات لأن الكهرباء كانت قد انقطعت في أول أيام الحرب والظلام كان يغلف المدينة والأنوار التي كان يراها ذلك التافه هو نور اللهيب الأحمر، وبالأدق نور صواريخه التي يلقي بها للأسفل، في ساعتها تمنيت أن أنقل للطيار رؤيتي من تحت شجرة الميلاد علّه يتوقف عن حماقته، وتصورت بسذاجتي أن نقل تجربة الخوف إليه سيدفعه إلى التوقف”. لماذا لا يموت البطل في كل النهايات ويموت في الحرب؟ أليست الحرب بنهايةً لكلّ جميل وبدايةً لكل تعيس كما الموت؟ لِمَ يُصرّون دائماً على انكار حقيقة موت البطل؟ ببساطة لأن الحرب لا تعرف الأبطال ولا الضعفاء، لا تعرف الصغار ولا الكبار، لا الفقراء ولا الأغنياء، الحرب يا عزيزي ليست إلا وحشاً حقوداً جاهلاً يحاول التهام أشخاصاً وبيوتاً وأشجاراً وسماءً هو يعلم جيّدا بأنها لم تكن ملكه يوماً ولن تُصبح ، لكنه يجهل طريقة العبور عنها دون أن يترك رائحته هناك، يحاول فقط فرض نفسه وإلصاق بصمته في كل أَثَر.. يا لوحشيّته!

نقلا عن المحيط

كاريكاتـــــير