غزة-نوى:
"أعطني مسرحًا أعطيك شعبًا مثقفًا"، مقولة اعتاد الجميع ترديدها في إشارة إلى الدلالة التنموية والتوعوية للمسرح كأحد أهم منابر الأدب والثقافة ذات العلاقة المباشرة مع الجمهور، وفي اليوم العالمي للمسرح الذي يصادف اليوم؛ ما زال المسرح أو "أبو الفنون" وأولها (كما عُرف منذ أوجده الإغريق والرومان)؛ يعاني الكثير من المعوقات خاصة في قطاع غزة حيث يضرب الحصار أطنابه ويحول الفقر الشديد دون تمكّن الناس من جعله جزءًا من حياتهم، فيما يجاهد الفنانون والفنانات من أجل الحفاظ على وجود للمسرح يحميه من الغياب.
كي يستمر
مؤخرًا انتهت الفنانة المسرحية وسام ياسين من سلسلة عروض مسرحية بعنوان "خارج الصندوق" يحكي عن قضية العنف ضد النساء؛ بعد طول انقطاع عن المسرح، معربة عن أملها أن تشكّل مشاركتها هذه بداية لعودة قوية كما تطمح.
تقول الفنانة الشابة في مقابلة مع نوى :"لم يغب المسرح الفلسطيني مطلقًا رغم أن الواقع الموجود ليس هو ما نطمح إليه لكنه ما زال يعمل في ظروف استثنائية، بقي موجودًا حتى ولو بشكل متقطّع، هناك من يعملون من أجل الحفاظ على استمراريته".
تتمنى ياسين أين يصل المسرح إلى الجمهور عبر العروض المتنوعة، فالجمهور يعطي الفنانين الطاقة وهما في علاقة تبادلية، لكن من المؤسف كما ترى ياسين أن جمهور المسرح هنا نخبوي فقط وهو يكاد يقتصر على اما تنتجه المؤسسات الأهلية التي تتولى بدورها مهمة إحضار الجمهور، وهذا خطأ فحضور المسرح يجب أن يكون اختياريًا.
توضح ياسين أن الناس منشغلة بهمومها اليومية وليس من المعقول أن تهتم بمتابعة أعمال مسرحية في ظل حالة الفقر الشديد التي يعيشها الناس، مع أنه يتناول قضايا تهمهم جميعًا، فالمسرح هو صورة مصغّرة عما يدور في المجتمع.
تنفي ياسين اقتصار المسرح على ما تنتجه المؤسسات فقط، بل هناك مسرحيات من الأدب العالمي وهناك تركيز كبير على القضايا الوطنية، لكن الجميع يعاني نقص الإمكانيات حتى المسرح، فهو يعاني مشكلة في الإنتاج، وأحيانا يبادر الفنانون بالعمل على نفقتهم لكن في النهاية يكون الإنتاج متواضعًا جدً.
تشرح ياسين أبرز ما يعانيه المسرح بمشكلة الإنتاج ونقص الكتّب المتخصصين في الكتابة للمسرح وأن المسارح غير مجهزة بشكل مناسب فهي عبارة عن قاعات عرض وليست مسارح، إلا أن الجيد هو وجود العنصر النسائي والذي كان أحد المعوقات حتى سنوات قليلة.
أزمات
من جانبه يقول المخرج د.يسري المغاري عضو الأمانة العامة لاتحاد الفنانين الفلسطينيين، إن المسرح الفلسطيني يمر بأزمة كأي قضية أخرى بسبب الانقسام وعدم وجود مؤسسات تدعم الفن، فالقرار السياسي يؤثر على دعم الفنون من عدمه.
يكمل المغاري إن الممولين أحيانًا يدعموا مسرحيات معينة تتعلق مثلًا بقضايا المرأة، ولكن ليس الجميع يطلب هذا، لكن هذا لا ينفي أن هناك تمويلًا موجهًا، لكن أيضًا هناك تمويل غير موجه، كذلك لا يوجد مسرح بتذاكر.
يضيف بأن المسرح الفلسطيني لم يحظَ بما حظي به المسرح العربي فهو يناقش الواقع السياسي والاجتماعي والحياة النضالية للشعب الفلسطيني، وهو يعاني من حالة ركود كبير حتى في دول الجوار، هناك مشكلة في الدعم المالي، والسينما أثّرت عليه بشكل كبير.
يكمل :"للأسف لا نستطيع القول أن لدينا كتّاب مسرح وإن كان هناك قلة فهذا لا ينفي وجود أزمة، كما أن تخصص المسرح غير موجود في الجامعات، وغالبية من يمثلون هم من الهواة، هناك كوادر مؤهلة للتدريس لكن التخصص مفقود وهذه مسؤولية الجامعات"، ويطالب المغاري الحكومة الفلسطينية ووزارة الثقافة تحديدًا بإنشاء صندوق قومي لدعم الثقافة.
حديثًا تم تفعيل الاتحاد العام للفنانين في قطاع غزة وهو أحد أطر منظمة التحرير، لكنه المغاري يؤكد إنه بعد توقف عمل الاتحاد طيلة السنوات الماضية، يحتاج إلى وقت للعمل من جديد خاصة أن كل كواده كانت من خارج القطاع والآن يوجد في غزة عدد لا بأس به من الفنانين، ومهمة الاتحاد بالدرجة الأولى حماية الفنانين وتقديم التسهيلات لهم، ويجري حاليًا البحث عن مقر.
ثالوث الإشكاليات
من جانبها تقول الكاتبة والناقدة دنيا الأمل اسماعيل إن المسرح الفلسطيني عاش فترة طويلة من الصعود والهبوط نتيجة ظروفٍ معقدة بعضها سياسي واجتماعي وثقافي وبعضها ناتج عن غياب مؤسسة ثقافية ترعى الأعمال المسرحية والممثلين.
تكمل اسماعيل بأن لدينا تجارب نوعية في العمل المسرحي وهناك مسرحيين قدموا نقلات نوعية في التجربة المسرحية خاصة في قطاع غزة، لكن تبقى التجربة في إطار الفردية ولا تنطوي تحت إطار رؤية منهجية للمسرح وهنا يبرز سؤال حول ما هي الرسالة التي يحملها للفلسطينيين وللعالم.
تضيف:"كان بالإمكان أن تشكّل هذه التجارب تاريخًا مهمًا وهي بالفعل كذلك لكن بالإمكان رفع درجة الأهمية في وجود حامل مؤسسي مسرحي يرعى المسرحيين وفق استراتيجية وطنية للمسرح والثقافة الفلسطينية بشكل عام، فالمسرح هو الفن الوحيد الذي يتفاعل مباشرة مع الجمهور".
تؤكد اسماعيل ضرورة أن يكون لدى هذه التجارب ناظم قوي يحاول أن يؤطرها في إطار رؤيوي منهجي تحت يافطة الإبداع وليس العمل السياسي، كذلك معظم الأعمال المسرحية مرتبطة بالتمويل الأجنبي وهذه أيضًا تفرض شروطها، فبقي المسرح تابعًا لعمل المجتمع المدني يقدم فكرة مسبقة، وليس مكملًا له.
تشدد اسماعيل على أهمية أن ينفصل المسرح بهويته الثقافية أولًا عن المجتمع المدني ثم بعد أن تتحدد هويته بإمكانه أن يفيد الآخرين بتجربته الغنية، وتبقى مشكلة التمويل لذلك ضرورة وجود مؤسسة رسمية ودور ثقافة وهيئة عامة للمسرح تحاول تقديم مسرح فلسطيني بهويته الوطنية ويعكس ثقافة وواقع وقيم المجتمع الفلسطيني.
تضيف أن النقطة المهمة هي أن تجربة المسرح تمارس بعيدًا عن النقد المنهجي وليس النقد الصحفي أو المتابعة الصحفية، نقد له علاقة بتقنيات المسرح وأدواته ومضامينه وأداء الممثلين وهذا تقريبًا نادر الوجود.
تتحدث اسماعيل عن ثالوث إشكالية المسرح الفلسطيني وترصدهم بما يأتي:"غياب النص الوطني المسرحي، فكل المسرحيات قائمة على أفكار مسرحيات عالمية وعربية أو فكرة المسرح الجمعي أي أن الجميع يفكر وتتلاقى الأفكار في جلسة عصف ذهني والمسرح أكبر من ذلك، وعدم وجود كتّاب ونقّاد، وعدم وجود مؤسسة رسمية ترعى العمل المسرحي كما سبق ذكره، فما هو موجود تجارب فردية لا تؤسس لعمل مسرحي يمكن تدريسه لو تم افتتاح قسم مسرح في أي من الجامعات".























