شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 09 اعسطس 2026م04:00 بتوقيت القدس

انتحار الفكر السياسي وأفول الحالة الحزبية التقليدية 1/2

23 مارس 2016 - 00:29
* خليل شاهين
شبكة نوى، فلسطينيات:

تحث الموجة الانتفاضية الفلسطينية على نقل الجدل حول واقع ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني إلى طور جديد؛ ربما يتجاوز توصيف "الأزمة" في الفكر السياسي، وهو طور قابل للمراجعة والإصلاح، إلى طور "المأزق" المرتبط بوصول محاولات الإصلاح إلى طريق مسدودة.

فمع انتقال هذا الفكر الذي يؤطر بنية الحالة الحزبية وممارستها ومشروعها/مشاريعها السياسية إلى طور "المأزق"، لم يعد ممكنا الحديث عن إصلاحه أو ترميمه، إذ لا مناص من الاعتراف استهلالا بانتحار الفكر السياسي الفلسطيني "التقليدي"، وتجلياته في الحالة الحزبية، عبر عملية بطيئة استغرقت أربعة عقود في سياق مسار التكيف في الممارسة السياسية والحزبية مع متطلبات مرحلة "أوسلو"، وصولا إلى أفول الدور التاريخي للحالة الحزبية الراهنة، رغم اعتياشها على استمرارية دورها السياسي بالاستناد إلى مصادر "شرعية" ليس من بينها الإرادة الشعبية.

في المقابل، ثمة مؤشرات على أن الموجة الانتفاضية الأخيرة تندرج في سياق فعل تراكمي ينشط في فضاء سياسي وكفاحي يتشكل خارج ما يعرف بالحقل السياسي التقليدي، ولكن دون أن يقطع معه بالكامل. وهي حالة نجحت، حتى الآن على الأقل، في كسر احتكار السياسة ضمن النسق السياسي والحزبي السائد، وإن كانت لا تزال تفتقر إلى ممارسة السياسة في أطر حزبية جديدة.

ورغم ما يشهده الفضاء الجديد من تبعثر وتشتت أشكال العمل والتعبير السياسي والثقافي والفني في فلسطين والشتات، إلا أنها تؤسس لمرحلة جديدة عنوانها شق مسار جديد في الصراع بالتمرد على منظومة السيطرة الاستعمارية الاستيطانية في نطاق فلسطين التاريخية، وليس "التفاهم" معها، أو "التعايش" تحت سقفها.

مقدمة: توصيف المأزق

يحيل عنوان "مأزق الحالة الحزبية" الفلسطينية إلى سياقات أخرى تجعل التفكير في الحالة الحزبية بمعزل عنها أمرا صعبا. وهي بحد ذاتها سياقات مثيرة للجدل، ما يجعل تحليل المأزق أكثر تعقيدا. ومن هذه السياقات التي يفرضها بحث واقع ومستقبل المشروع الوطني، أفول الفكر السياسي التقليدي، وتراجع الحقل السياسي الوطني، وبنية ووظائف ما يسمى "النظام السياسي" المنقسم على ذاته تحت سقف منظومة السيطرة الاستعمارية.

في كل ذلك، يصعب تجاهل الإشكاليات التي يثيرها تناول هذه السياقات ضمن خصائص الحالة الفلسطينية ذات العلاقة بالشرط الاستعماري، بدءا من تعريف الحقل السياسي والنظام السياسي والمجتمع السياسي في مرحلة ما بعد "أوسلو"، وموقع ومستقبل الحالة الحزبية ضمن هذه السياقات، وربما حدود دورها ومسؤوليتها عما اكتنفها من تراجع.  

غير أن وعي الشرط الاستعماري بحد ذاته، هو الذي يطرح أهمية الانطلاق أولا من مأزق الفكر السياسي الفلسطيني، الذي تتجلى إفرازاته اليوم في البنى التنظيمية وبرامج العمل والممارسة السياسية التي تحكم واقع الحالة الحزبية كأحد مكونات الحقل السياسي. يعني ذلك، نقل الجدل حول واقع ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني إلى طور جديد؛ إلى ما بعد توصيف "الأزمة" في الفكر السياسي، وهو طور قابل للمراجعة والإصلاح، وإلى ما بعد توصيف "المأزق" المرتبط بوصول محاولات الإصلاح إلى طريق مسدودة.

حتى الآن، رغم ما تقدمه الموجة الانتفاضية من فعل مقاوم مباشر ينطلق من الحاجة للخروج من "المأزق" انطلاقا من وعي الشرط الاستعماري، تبدو الحالة الحزبية تراوح في حالة إنكار لمتطلبات الخروج من المأزق غير القابل للإصلاح. وهو إنكار يتجلى برفض الإقرار بأن سبب هذا المأزق يكمن في المقدمات والمناهج ووسائل العمل التي تعتمدها الفصائل كنتاج للفكر السياسي ذاته، والإصرار على إحالة السبب إلى عوامل أخرى، كالاختلال في موازين القوى، أو تنكر إسرائيل لالتزاماتها بموجب اتفاق أوسلو، أو الانقسام الداخلي، وغيرها من ادعاءات تنتمي إلى أسئلة من قبيل هل "الخلل في الفكر أم التطبيق"؟!

إن استمرار إحالة تبعات المأزق إلى عوامل موضوعية حصرا، على أهميتها، لن يسهم سوى في إعادة استنساخ خطاب الإصلاح المستحيل للحالة الحزبية وأشكال عملها لتحقيق المشروع السياسي الذي أطّر مناهج عمل مجمل الحقل السياسي الفلسطيني طيلة العقود الماضية، بدلا من السعى لنقل التفكير الإستراتيجي إلى الاشتباك مع تداعيات الانهيار في الفكر والممارسة من جهة، ومتطلبات إعادة البناء من جهة أخرى، بما هي عملية تهدف إلى إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني والحامل الوطني القادر على تحقيق أهدافه.

انتحار الفكر السياسي

إن الفكر السياسي الفلسطيني الذي نقصده، هو ما يعرفه عبد الإله بلقزيز، بأنه "الفكر الذي يؤسس رؤية للعمل الوطني، ويرسم له الاستراتيجيات، ويزود الممارسة النضالية بأجوبة عن الإشكاليات التي تطرحها تجربتها الميدانية. إنه فكر حركة التحرر الوطني الفلسطينية المعاصرة: الفكر الذي أنتجه مثقفون مرتبطون بها، مناضلون في مؤسساتها، أو قادة عمليون لم يكونوا بعيدين عن ميدان التنظير والتوجيه الايديولوجي حتى وهم يقودون العمل الوطني. إنه الفكر الذي نجد تجلياته التفصيلية في برامج فصائل منظمة التحرير، والذي تحكم معادلاته ومقدماته سائر أشكال التعبير السياسي عن الفكرة الوطنية الفلسطينية لدى هذه الفصائل ولدى الحركة الوطنية عموماً" .

في ضوء ذلك، لا تبدو عملية إعادة تعريف وبناء المشروع الوطني وبرامج وأشكال عمل الحركة الوطنية ممكنة دون الاعتراف بوصول الفكر السياسي الفلسطيني "التقليدي" إلى طريق مسدودة، بل وانتحاره بما هو فكر حركة تحرر وطني، عبر عملية بطيئة استغرقت أربعة عقود تنقل فيها من أطوار الأزمة، إلى إعادة إنتاج الأزمة، إلى المأزق، فالانهيار. وهي عملية بدأت بما أنتجه هذا الفكر من مقدمات ومنطلقات وأشكال عمل ما قبل أواسط السبعينيات من القرن الماضي، مرورا بما انتهى إليه في دورة المجلس الوطني الفلسطيني عام 1988، باعتماد برنامج وإستراتيجية عمل أسست عمليا لمسار تكيف النسق السياسي الفلسطيني مع متطلبات مرحلة أوسلو.

في سياق هذه العملية؛ بالانتقال من فضاء الوطن إلى فكرة "الدولة" المستحيلة، أقدم الفكر السياسي الفلسطيني على ما لم تسبقه إليه أي حركة تحرر: الانتحار! وهي مفارقة غريبة، إذ إن الجلاد قد يقتل الضحية، لكنه لا يستطيع أن يجبرها على الانتحار. لقد قامت "الواقعية السياسية" لمنظمة التحرير بذلك عندما اعترفت بـ"حق" النظام الصهيوني الاستعماري العنصري في الوجود على أرض الوطن الفلسطيني، وأُبقيت المنظمة على قيد الحياة لغاية وحيدة: استكمال ما بدأته بهذا الاعتراف "باسم الشعب" عشية "أوسلو"، للقيام بمهمة أخيرة هي المصادقة على الحل النهائي، باسم الشعب أيضا، قبل أن تُترك لتلفظ أنفاسها الأخيرة.

لقد أسس الفكر السياسي الفلسطيني بمنطلقاته وأشكال ممارسته السياسية للنتائج التي نشهدها اليوم، لاسيما من حيث "استمراء" العمل تحت سقف، وفي إطار، العلاقات الاستعمارية القائمة بين "السلطة"، وإلى حد ما الحركة الوطنية، والنظام الاستعماري. وفي هذا السياق، يمكن رؤية التحولات في الحالة الحزبية التي انتقلت من حيز وخطاب التحرر الوطني إلى حيز فكرة "الدولة" وتصوراتها الشكلانية، أو على الأقل ظلت تضع قدما هنا وأخرى هناك.

تحولات الحالة الحزبية

أدى هذا المنعطف إلى تعميق التحولات في الحقل السياسي الفلسطيني، ما بعد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، وإبرام اتفاق إعلان المبادئ (أوسلو) عام 1993 وإنشاء السلطة بموجبه، انسجاما مع منطلقات الفكر السياسي المستند إلى إطار الصراع على أساس "حل الدولتين"، باعتباره حلا قائما على "التفاهم" عبر التفاوض الثنائي مع منظومة السيطرة الاستعمارية، ولكن في ظل علاقات قوة أسهمت في تعميق الاحتلال والاستيطان والعنصرية، عبر عملية معقدة ومتواصلة من إعادة إنتاج مصفوفات/منظومات السيطرة على التجمعات أو "المجتمعات" الفلسطينية حسب "مكانة" الفلسطيني، كما يصنفها النظام الاستعماري، في كل من معازل الضفة الغربية، وقطاع غزة، وأراضي عام 48.

يرى جميل هلال  أن من أبرز التغييرات التي دخلت على الحقل السياسي الفلسطيني بعد اتفاق أوسلو، انتهاء دور منظمة التحرير، التي هيمنت على هذا الحقل، وتولي السلطة الفلسطينية القيام بدور محوري في ترتيب الأوضاع الداخلية للحقل. وبذلك، انتقلت عملية صناعة "الهيمنة" في الحقل السياسي الجديد من أطر المنظمة إلى أطر سلطة تسعى للتحول إلى دولة على إقليم فلسطيني.

وفق هذا التحليل، يرى هلال أن الحقل السياسي الجديد، أو ما يسميه أحيانا "النظام السياسي"، يشكل امتدادا للحقل القديم. فقد ورث "الجديد" تعددية سياسية وحزبية وفكرية من الحقل السابق الذي هيمنت عليه المنظمة. كما دخلت تشكيلات سياسية جديدة على هذا الحقل تمثلت في منظمات الإسلام السياسي. لكن هذه التعددية تعرضت لتحولات مهمة أثرت على التشكيلات السياسية ضمن الحقل المتشكل بعد قيام السلطة، قي مقدمتها تراجع حجم التأييد الجماهيري لفصائل المنظمة، وبخاصة اليسارية، المعارضة والمتقبلة لاتفاق أوسلو على حد سواء، وتولي حركة فتح دور ومهام التنظيم المسيطر على مقاليد السلطة، ومساعيها لتحديد قواعد "اللعبة" السياسية، وأولها وجود سلطة مركزية واحدة في حقل سياسي لا يُسمح بازدواجية فيه، وثانيها أن العمل المسلح انطلاقا من مناطق السلطة، وبدون موافقتها، غير مقبول، وثالثها أن المجال متاح لمعارضة وتعددية سياسية وحزبية سلمية في إطار سيطرة "فتح" على الحكم.

مع ذلك، ثمة جدل إذا ما كان "النظام السياسي" الناشئ منذ قيام السلطة قد شكل امتدادا للحقل السياسي الوطني، يحمل سماته وبناه ومكوناته، أم شكل قطعا معه، أم أنه هيمن من الناحية العملية على الحقل السياسي للمنظمة، الذي يشمل مكونات الحركة الوطنية ذات الامتدادات التنظيمية في الأراضي المحتلة عام 67 والشتات.

في ضوء ذلك، مثلا، هل يصح الادعاء أن حركة حماس قد دخلت الإثنين معا؟ وأين يمكن تصنيف حركة الجهاد الإسلامي؟ وهل يصح القول أيضا إن فصائل المنظمة تكيفت مع قواعد "اللعبة" السياسية التي سعت "فتح" لفرضها، في حين يعتبر عدم انصياع "حماس" لهذه القواعد أحد أسباب الانقسام الذي اعتبرته "فتح" انقلابا على "الشرعية"، أي على قواعد "اللعبة"؟

في كل الأحوال، كان ما حدث أشبه بمحاولة "حشو" الحقل السياسي بتشكيلاته السياسية القديمة والجديدة ضمن "النظام السياسي" المفصل على مقاس اتفاق أوسلو والسلطة التي أنتجها، من حيث البنية والمؤسسات والصلاحيات والوظائف وخطاب الدولة الزائف. كما لم تنعكس التغيرات في مكونات الحقل السياسي على موازين القوى وحجوم التشكيلات السياسية ضمن "النظام السياسي".

في المقابل، لم يفرز الواقع الجديد لهذا النظام المتشكل بعد "أوسلو" بنى حزبية، أو قوى سياسية جديدة، خارج إطار نموذج الحقل السياسي للمنظمة، إذ تحولت حركة فتح إلى حزب السلطة، في حين اكتنف الارتباك والالتباس موقع ودور الفصائل اليسارية التي أصبح بعضها لاحقا معارضة في "سلطتين" يسعى كل منهما لفرض شروط "لعبته" السياسية.

أكثر من ذلك، إذا كان ممكنا الحديث مجازا عن نظام سياسي فلسطيني في ضوء تصوراته "الدولانية" عن نفسه، فإن انغلاق الأفق أمام ما يعرف باسم "حل الدولتين"، أي إمكانية تحول مشروع سلطة الحكم الذاتي إلى دولة مستقلة أولا، إلى جانب الانقسام الداخلي ثانيا، يثيران مزيدا من الشكوك بشأن صوابية الحديث عن نظام سياسي فلسطيني. وفي أحسن الأحوال، يمكن الحديث عن حقل سياسي مشتت، يتشكل من قوى وطنية دخل معظمها في مرحلة انهيار بنيته التقليدية التي شكلت ما كان يعرف بحركة التحرر الوطني ما قبل قيام السلطة الفلسطينية، ومن قوى إسلامية يبدو ركنها الأساسي (حماس) في حالة صعود لكن باتجاه ذروة الأزمة بالاقتراب من منطلقات ومقدمات الفكر السياسي للحقل المتشكل ضمن منظمة التحرير، كما تجلى بالانخراط في السلطة القائمة وفق محددات "أوسلو"، والتبني "الخجول" لفكرة "الدولة"، بل وتمرير تشكيل حكومة تلتزم ببرنامج الرئيس.

في وصفه لمسار التراجع في موقع ودور الحركة الوطنية التقليدية، يقول عزمي الشعيبي : "لقد تآكلت المشروعيات، وتآكلت معها معالم البرنامج الوطني الذي أقر العام 1988، وأدت القضايا التفاوضية وشخوص هيئة القيادة التي شاخ بعضها، أو غابت بسبب الموت، ونازعتها قيادات وشخوص جديدة من خارج المنظمة، إلى بهتان في القيادة والبرنامج لدى جيل الأبناء وأبناء الأبناء، بعد أن جرى طحن واستيعاب جيل الأبناء في بوتقة السلطة ومراكزها وامتيازاتها تحت مسميات وهمية جرى نفخها على غرار معالي الوزير، وسيادة اللواء، والسيد المدير العام. وقد ترافق كل ذلك مع التداخل والتشتت الذي حصل على صعيد آليات تنفيذ أهداف الفلسطينيين في التحرر والاستقلال، حيث تم رفع شعار المقاومة من قبل قوى وفصائل مختلفة، بعضها مارسه موسميا وبعضها مارسه بشكل رمزي في المناسبات، وبعضها لم يمارسه إلا في الخطابات، في حين انغمس الجزء الرسمي المتبقي من المنظمة طيلة سنوات في التفاوض المباشر مع الجانب الإسرائيلي، دون أن يعرف المواطنون لماذا تقف المفاوضات ولماذا تستأنف".

وعلى مستوى الفصائل، يضيف الشعيبي: "تبنت معظم فصائل العمل الوطني تاريخياً المقاومة بأشكالها المختلفة، وبعضها تبنى شعار المقاومة الشعبية منذ فترة ليست ببسيطة، ولم تستطع أي منها أن تمارس هذا الأسلوب بشكل فعال ودائم يمكن اعتباره إستراتيجية عمل ووسيلة يومية للنضال، حيث لم تنخرط قياداتها ومنظماتها وأطرها وكوادرها في ممارسة ذلك كمنهاج عمل، وبخاصة بعد عودتها بعد أوسلو إلى الأرض المحتلة. ويعود الفشل في ذلك ليس لأسباب ذاتية لهذه الفصائل فحسب، وإنما إلى مجموعة من العوامل التي رافقت قيام السلطة الوطنية بعد العام 1994، كان أبرزها أن المشروع الوطني لم يعد واضحا، لأن الغالبية العظمى من القيادات الوطنية وكوادرها العليا انشغلت في الحصول على حصتها في السلطة ومغانمها، وبالتالي فإن الغالبية العظمى من المواطنين الفلسطينيين لم يلمسوا وجود قيادة حقيقية مخلصة لاستراتيجية المقاومة، بما فيها الشعبية، ومنخرطة للمشاركة فيها".

وفي حين كان يتعمق المشروع الاستعماري الاستيطاني العنصري، كان المشهد الفلسطيني العام يزداد تجزئة وتهشما في مختلف الحقول والميادين بدءا من الجغرافيا والديموغرافيا والاقتصاد، مرورا بالثقافة والفكر، وليس انتهاء بالسياسة ذاتها. وإن كان يصعب تجاهل تأثير التراجع في كل من هذه الميادين على المشهد العام، إلا أن الأكثر تأثيرا في سياق اضمحلال فكرة "الدولة" تمثل في أفول السياسة، بما ترتب عليه من تفكك المبنى السياسي العام نفسه، وفقدان المركز القيادي الموحد والبعد الوطني الجمعي، وانحطاط الممارسة السياسية إلى مستوى الصراعات على مواقع القوة والنفوذ في كيانات سياسية غير مترابطة في الضفة والقطاع، وتعمل تحت سقف منظومة السيطرة الاستعمارية.

عند هذه اللحظة في تهشم المشهد السياسي وصناعة الانقسام الفلسطيني، انتهت وظيفة أوسلو إسرائيليا، وانفتحت وظيفته فلسطينيا، فتم تفكيك المفكك أصلا، من قبل أطراف الصراعات الداخلية بامتداداتها الإقليمية والدولية، وتم إقصاء شرائح وفئات واسعة عن المشاركة السياسية، كما تراجع دور الأحزاب والنخب السياسية والمنظمات الأهلية والاتحادات والنقابات والشباب ووسائل الإعلام المستقلة.

في المقابل، كان يوفر ذلك ما يلزم من مبررات ومقومات لتطور مسار جديد يكسر احتكار السياسة عبر أشكال متعددة من التعبير والعمل السياسي تؤسس لإمكانية إعادة بناء الحقل الوطني في فضاء ما زال قيد التشكل. وهو ما يطرح تحديا "وجوديا" أمام الحالة الحزبية من حيث القدرة على تجديد فكرها وبرامجها وبناها التنظيمية وأشكال ممارستها السياسية للالتقاء مع ارهاصات تشكل الحقل السياسي الجديد، أو البقاء خارج هذه العملية بانتظار مآلات الأفول النهائي.

*مدير البحوث والسياسات

المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية (مسارات)

ورقة مقدمة إلى ندوة "مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني"

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الدوحة، 14-15/11/2015
ملاحظة : المادة مختصرة عن الدراسة الاصلية

كاريكاتـــــير