غزة- خاص نوى- منى خضر:
من وسط مدينة غزة" اليتيمة" التي يعرفونها في الحروب أو الكوارث الطبيعية، حين تفيض الدماء أو المنخفضات، فتغرق شوارعها المهترئة بالمياه، تنطلق الرسائل السياسية: الشكر، أو التغزل، أو التأكيد على عمق العلاقات بالخارج، وغيرها.
" القدس تنتظر الرجال" إحدى اللافتات التي وضعت على دوار السرايا، وسط المدينة، وهي صورة جمعت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وأمير قطر، وخالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس وإسماعيل هنيه نائبه"، ثم تسقط اللافتة، بعد تعرضها لعوامل الطقس، وتغير الظروف الموضوعيّة، لتصبح أكثر فردية" شكرا قطر"، ثم ذاتية كما في رسالة " سلاح المقاومة وجهته داخلية ولا يوجه للخارج".
هذه وغيرها شعارات متعددة ومتباينة، باختلاف الظروف والمرحلة، تحمل رسائل إعلامية تُروّج لها سياسة الأمر الواقع، وفصائل العمل الوطني الفلسطيني في قطاع غزه المحاصر منذ 2006، تشغل بال الكثيرين، فما مغزى هذه الرسائل وإن كانت موجهة إلى الخارج، فما الهدف من وضعها في هذا المكان الحيوي بالمدينة، وهل يبالي الشعب المنكوب هنا بتلك الرسائل؟
الصحافية تغريد العمور تشعر بالامتعاض من مكان نشر الإعلانات وتوقيتها، تقول" ليست أسلوب لإيصال الرسائل، وخاصة الإعلان الأخير الذي يتحدث عن اتجاه سلاح المقاومة، والذي فهمته عن تغيّر في العلاقة بين مصر وحركة حماس، ويقصد به عدم التدخل في الشؤون الخارجية".
العمور تشير إلى أن هذه الرسائل يجب أن تُتَرجم من خلال أفعال، وليست من خلال التصريحات الخارجية، أو إعلان داخلي يوجه للشعب في قطاع غزة".
يقول أبو محمد، 33 عاما، بائع متجول على دوار السرايا، بلهجة تهكمية لنوى:" لا يعنيني الإعلان الذي يتم وضعه لأنه مش فارقة معي، بس كل ما بتم وضع إعلان جديد أتمتم" الله يستر شو الجديد؟ ومين بدنا نشكر؟ و يمتلئ رأسي بالتساؤلات الجديدة التي لا إجابات لها في غزة".
الكاتب والشاعر يُسري الغول يرى أن هذه الإعلانات تحاول توجيه رسائل فيما يخص الشأن الفلسطيني، وتحديداً ما يهم بشكل كبير القائمين على حكم قطاع غزة وحركة حماس تحديدًا. يقول:" اختيار المكان" مفترق السرايا" يُشكّل أهمية كبيرة، كونه أكثر الأماكن حيوية في قطاع غزة، ويُمثّل رسالة تصل إلى الخارج في ظل انتشار الإعلاميين المتواجدين غالباً في ذلك المكان".
أما أبو علي، 45 عامًا، سائق التاكسي يتهرب من الإجابة على سؤالنا" عن ملائمة دوار السرايا لوضع الإعلانات التي تحمل رسائل سياسية"، يخفف سرعته، ثم يرسم ابتسامة ساخرة :" الدوار صار بوصلة للتعرف على ما يدور في البلد، ولوين رايحين إحنا؟! ويضيف" وكمان الناس اعتادت انه تصور كل إعلان جديد، وبعض الركاب في السيارة بقولولي وقف بدنا نصور"!
بينما تنظر الصحافية ديانا المغربي إلى الإعلانات على دوار السرايا من زاوية مختلفة، وتقول لنوى:" لا يختلف اثنان على أن قطاع غزة محاصر سياسيًا من عدة اتجاهات قطرية وإقليمية ودولية وعالمية، وبالتالي من حق الحكومة أو حركات التحرر الموجودة اختيار الطريقة المناسبة؛ للتعبير عن توجهاتها المختلفة تجاه الأحداث والقضايا ، حتى وان كانت يافطة على رمزون السرايا ،كوننا ندرك أنها ستصل أسرع من أي رسالة أخرى للداخل المنقسم ولوسائل الإعلام المسيسة والمحزبة والتي تعمل ضمن أجندات معينة داخل غزة ". تضيف ديانا :" باعتقادي أن حركة حماس ليست الأولى التي استخدمت هذه الوسيلة على الرغم من كثرة استخدامها لها، وان رسائلها عادة ما تحمل مضمون الشكر أو الاعتزاز أو إيصال رسائل مبطنة للداخل والخارج، عادة ما توصلها بعدة رسائل من ضمنها هذه اليافطات، العالم المفتوح اليوم لا يسعنا أن نستغرب أو نستهجن اى من أدواته التعبيرية، كل شيء متاح وللجميع".
هناك تخوف من أن يتحول عرض الإعلانات في الأماكن العامة، كالمفترقات الرئيسية في محافظات غزة، والمتنزهات، إلى قضايا رأي عام، حيث يتم الحديث عنها بكثرة بعد كل إعلان ينشر.
يرى المحاضر في الإعلان والعلاقات العامة في جامعة الأقصى، الدكتور علي برغوث" الإعلانات السياسية لحركة حماس في منطقة وسط البلد، وسيلة لتعزيز موقف الحركة تجاه القضية التي يتناولها الإعلان في أوساط الجمهور المحلي، فتأثيرها لا يتعدى المارة في منطقة نشر الإعلان. هذا من الناحية النظرية.
أما الحديث عن تأثير وضغط على الحكومة المصرية فيما يتعلق بإعلان "أطلقوا سراح المختطفين في مصر"، وإعلان "المقاومة لا توجه سلاحها للخارج"، تعد تأثيراته ضئيلة للغاية، وتكاد لا تذكر على الحكومة المصرية، فالهدف منه غالباً ما يمتد لتأليب الرأي العام ضد سياسات الحكومة المصرية تجاه حركة حماس، خاصة إذا ما ربطنا الأمر بحملة حركة حماس عبر وسائلها الإعلامية المتنوعة.
يضيف برغوث أن التأثير الأكبر يكون لوسائل التواصل الاجتماعي تحقيقيه، فالتأثيرات التي تركتها هذه الإعلانات لدى مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، فهي أكبر، إذ أتاحت لهم الفرصة لنقاش هذه القضايا على الساحات الاجتماعية الافتراضية، ما قد يساهم في إيصال الرسالة للجهة المستهدفة، وهي غالبا مصر".
يعتبر برغوث أن الإعلان الأخير لحركة حماس على دوار السرايا "المقاومة لا توجه سلاحها للخارج" تحتمل تفسيرين، أحدهما رسالة تهديد لمصر، مفادها أن المقاومة تمتلك السلاح!!!؟؟؟. والثاني خطب ود مصر، بأن المقاومة لا توجه سلاحها إلا تجاه إسرائيل.
يرى برغوث أن الإعلان الأخير يأتي في الإطار العام لحملة حماس تجاه مصر، يجعلنا أقرب للتفسير الأول، بأن حماس تهدد مصر بشكل مبطن، وتعمل على تأليب الرأي العام ضد السياسة المصرية تجاهها، وفي هذا الموقف استغلال للجمهور الفلسطيني في تحقيق مصالح حماس الخارجية.
عن علاقة بلدية غزة بما ينشر من اعلانات، يقول المهندس حسين عودة رئيس قسم العلاقات العامة في البلدية:" البلدية لا تتدخل في مضمون الإعلانات التي يتم وضعها في الميادين العامة سوى الإطار العام والقانوني والذي يتم التوافق عليه قبل وضع الإعلان منه عدم عرقلة حركة السير وعدم وجود مادة مخالفة للقوانين ومضامين النشر والإعلانات بصفة عامة تقسم إلى ملكيات عامة أو ملكيات خاصة فهناك نظام له علاقة بالرسوم في المناطق العامة والخاصة بالحصول على موافقة البلدية بالإعلان دون التدخل في المحتوى بعد التوقيع على مستند قانوني يوقع عليه المتعاقد والموافقة على المعايير الهندسية.
أما عن الإعلانات عند دوار السرايا نوه عودة أن ارض السرايا هي ارض حكومية وبعض منها يعود ملكتيه فردية لذلك فأنها في الغالب تحمل إعلانات الحكومة أو للفصائل الوطنية ومعظم الإعلانات هناك ذات طابع وطني فمثلا الإعلان الذي تم وضعه حالياً والذي يتحدث عن سلاح المقاومة والأخر الذي يتحدث عن "عودة المختطفين الأربعة" يعود لجهاز العمل الجماهيري في حركة حماس .
وأشار عودة أن البلدية تقوم بنشر جميع الإعلانات الوطنية حسب المنطقة التي يتم وضع الإعلان عليها فمثلا عندما طلبت حركة التحرير ا لوطني الفلسطيني فتح بتجديد لوحة " لن يكتمل حلمي إلا بك يا قدس " مع صوره الرئيس ياسر عرفات بتخليد ذكراه تم الإشارة إلى الإعلان ورفعه بشكل مجاني . مؤكدا انفتاح بلدية غزه على كافة فئات وشرائح المجتمع بكافة التوجهات.


























