غزة-نوى:
أخرجت أم فتحي أبو جاموس طفلتها وهي تحتضن عربتها، لتأخذ قسطًا من شعاع الشمس الذي لا يعرف طريقه إلى المأوى المؤقت "الكرفان" المقام بجوار بيتهم في بلدة خزاعة شرق مدينة خانيونس، والذي دمرته قوات الاحتلال خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2014.
بدت الشابة العشرينية أم فتحي أكبر من عمرها بمراحل، وهي تحكي معاناتها حيث الحيرة والإعياء حفرا نفسهما في تقاسيم وجهها الذي أضناه التعب:"لا أعرف كيف أتدبر أمر أسرتي، فأطفالي أربعة، اثنان منهم يعانيان من لين العظام وتضخم الكبد، يكابدان جرّاء هذه الحياة التي استجدت مع ظروف دمار المنزل، فلا ملابس قادرة على حماية أجسادهم من قرصات البرد، لكني أحاول بكل ما أستطيع أن أدبر الأمور، إلا أن احتياجاتنا أكبر من إمكاناتنا بكثير".
دمرت قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال عدوانها على قطاع غزة نحو 100 ألف بيت يسكنهم نحو 600 ألف من المواطنين، باتوا في العراء بعد كل هذا الدمار، لم تجد بعض المؤسسات المانحة سوى إسكانهم في "كرفانات" قالوا للناس إنها مؤقتة، ولكن استمرت حتى الآن.
والكرفانات هي عبارة عن بيوت من الصفيح لا تزيد مساحتها عن 60 مترًا، شديدة الحر صيفًا، قارصة البرد شتاءً، رغم ذلك يضطر الناس للبقاء فيها في ظل غياب البديل.
تقول أم فتحي:"كُسرت ساقي عندما داست أرضية الكرفان، كانت الأرضية الخشبية قد تآكلت بفعل رداءة التصنيع وضعف المواد الخام المستخدمة في بناء الكرفان، وبالطبع فإن لتسرب المياه الدور الأكبر في تهتك الأرضية".
لم تكن المعاناة وليدة فصل الشتاء ففي الصيف واجهت الأسرة خطر الموت المحقق، عن ذلك تقول أم فتحي "في الصيف الماضي عانينا كذلك، حينما كاد الثعبان أن يلتهم رأس طفلي أثناء نومه، لولا العناية الإلهية التي أتاحت لزوجي أن ينقذه في اللحظة الأخيرة".
بصعوبة كبيرة نتمكن من الانتقال بين الكرفانات بعد أن تغوص أقدامك في الحفر الطينية التي بللتها مياه الأمطار، لتنقل بصرك بين عائلات مصدومة بمرارة الواقع الذي آلت إليه حياتهم ومرارة انتظار الإعمار.
"بردٌ شديدٌ، وموقد نار، وليل لا ينتهي"، بهذه الكلمات يصف أبو فتحي أبو جاموس ساعاته الطويلة، ويضيف بلهجة ساخطة على ما آلت إليه أحوالهم:"بعد حياة هادئة وآمنة كنت أعيشها في بيتي الذي بنيته بعرق السنين أجد نفسي، مع عائلتي المكونة من ستة أفراد، متسمرين من شدة البرد في غرفة واحدة كي تنعم أجساد أطفالي الغضة بشيءٍ من الدفء".
أبو فتحي الذي بدت تشير ملامحه إلى ما يفوق عمره الزمني بسنوات جراء ما حل بهم خلال العدوان وبعده من ضيق العيش وقلة الحيلة، يروى بعض السيناريوهات التي واجهها داخل الصندوق الخشبي الذي لا يقي من قيظ الصيف ولا من برودة الشتاء.
يقول :"في أيام المطر لا تعرف جفوننا طعم النوم جراء صوت المطر الذي يعيدنا إلى أيام بيوت القرميد أو الزينكو، حبات المطر في الليل الموحش تشبه في صوتها طلقات رصاص، عدا عن تسرب مياه الأمطار من سطح الكرفان، كونه غير مبطنٍ من الخارج ولو بقطعة من البلاستيك تحول دون تسرب قطرات المطر".
لا تتوقف معاناة أسرة أبو فتحي عند هذا الحد، بل تجاوزتها إلى أمور ليست أقل خطورة، يقول الزوج:"في إحدى الليالي قمت أتوضأ لصلاة الفجر، فإذا بسحابة دخان تغطي جنبات الحمام، صُعقت من هول ما رأيت، كانت النار تشتعل في إحدى علب الكهرباء، تناولت مطفأة الحريق لكنها كانت فارغة، معظم الطفايات التي سُلمت للأهالي كانت فارغة، لكن عناية الله هي التي أنقذت حياتنا بعدما قمت بفصل التيار الكهربائي".
أبو فتحي عاطل عن العمل، يعاني من إصابة في معصم يده تجعله غير قادر على القيام بأية أعمال يدوية، ويشكو من قلة الاهتمام من قبل المسؤولين حيال معاناتهم، فهو غير قادر على تأمين الحد الأدنى من المستلزمات الأساسية لتدوير عجلة الحياة.
يتابع "ما يُقدم لنا من مساعدات لا يُسمن ولا يغني من جوع، طفلتي الصغيرة بحاجة إلى حليب خاص يسد رمقها وأنا غير قادر على تأمينه".
يحدو أبو فتحي الأمل أن يتم الإسراع في عملية الاعمار، التي تأخرت كثيراً، وهذا التأخير يفاقم معاناة سكان الكرفانات، كما أن شقته تقع في الدور الثالث من بناية العائلة، لذا فإن علمها عند الله، ويتساءل "لا أدرى متى سيصلها البناء إذا استمرت عملية الاعمار على هذه الوتيرة؟".























