الليلة صيفية من النوع الذي يبدأ حاراً و زاهداً في صحبة ولو بعض من النسائم المائلة للبرودة، وينتهي معتدلاً لطيفاً، كموجة أفرغت ما بجوفها من غضبٍ عارمٍ بين رمال الشاطئ وعادت تمشي الهوينى مختالةً مزهوةً بما تحسبه انتصاراً على أي شيء أو اللا شيء. نفثت دخان آخر سيجارة في الفراغ وأنا أمعنُ النظر إلى صفحة البحر تهتز ببطءٍ وتكاسلٍ في ضوء نجومٍ ليلةٍ قد غاب قمرها، ولم يبق للبحر سوى زبد أمواجه الأبيض يشي بمكانه. شرفة حديقة منزلي تواجه الأفق البعيد بلا عوائق، ولا يفصلها عنه سوى البحر، جاري الذي لم أتبادل معه حتى مجرد التحية، رغم ساعات وساعات نقضيها و عيناي نائمتان في عينيه، وأناملي تكاد تتحسس وجهه من لهف إليه وعليه. الوقت قد تجاوز منتصف الليل بما يكفي لأن أسحق عقب سيجارتي وكأنني أنتقم منه، وأمضي إلى سريري دون أن أنظر في ساعتي لأتأكد أن وقت النوم قد حان. ولا أظنني كنت قد رفعت مرساة قارب نومي وبدأت الإبحار في خلجان الأحلام وشعاب الكوابيس حينما تناهى إلى مسامعي ما يشبه الطرق على الأبواب المغلقة، أصخت السمع،غدا الشك يقيناً، وما عاد بدٌّ من السؤال المعهود في مثل هذه الحالات، وبذات القلق والتوجس :
- من بالباب ؟
وجاءني الجواب يحمل بذرة ألف سؤال جديد، نضجت ثمارها دفعة واحدة وكان لا بدَّ من قطافها معاً كثمار شجرة تينٍ عافتها الأغصان في ذروة أشهر الصيف.
- أنا البحر جارك، و..
البحر جاري !! وهل يعقل هذا ؟ وفيم واو العطف تلك ؟
فتحت الباب وقلبي يرتجف كعصفور بلله المطر، يا إلهي، إنه البحر بالفعل يقف ببابي وعلى شفتيه ترتسم ابتسامة طفل وليد، وفي عينيه كل خفر العذارى، شدني صوته المتلعثم خارج دائرة تساؤلاتي ومربع افتراضاتي، قال بتبسط محبب :
- نعم يا... أنا البحر، جارك، وأنت في كامل قواك العقلية دون اختلال، وسيجارتك بريئة من اللعب برأسك، براءة غزة من السعادة، وراحة البال.
قلت وأنا أحاول استعادة رباطة جأشي بقدر المستطاع :
- ولكن العادة في كل زمان ومكان، هي أن يذهب الناس إلى البحر، لا أن يأتي البحر ساعياً لأي إنسان مهما كان.
عاجلني البحر بالإجابة في هدوء على غير ما يعرف عنه، قال وهو يستقر على أريكة بجوار حوض الزهور :
- لقد أصبت كبد القضية و ولجت بيت القصيد من أوسع أبوابه، ناوليني كوب ماء بارد فحلقي قد جف من شدة الملح، وسأقص عليك ما لم يخطر لك على بال.
- كوب ماء وأنت البحر ؟! البحر الكبير بكل ما في جوفه من ماء ؟!
قذفت دهشتي المشوبة بالاستهجان في وجه البحر، فرد في تهكم مغلف بالأسى :
- البحر الكبير !! أتدرين يا جارتي، وقع هذا التعبير قد غدا غريباً على أذني غرابة الشعور بالأمان عندك، ربما أكون كبيراً بالفعل إن كنت تقصدين المساحة والعمق أيضاً، أما المقام فما عاد يؤهلني حسب المسوغات المعمول بها هنا، لأدنى قدر من الاحترام، فأنا إن كنت تعلمين أو تجهلين لا أنتمي لهذا الحزب ولا ذاك، ولا أحتمي بعائلة كبيرة العدد و العتاد، ولم أستخدم في حياتي أي سلاح حتى ولا سكين مطبخ. أما عن الماء، فأي ماء هذا الذي تتحدثين عنه يا جارتي ! ماء الصرف الصحي غير المعالج، أم مائي أنا الذي حافظت على نقائه آلاف السنين حتى حولتموه أنتم إلى مكبات قمامة ، أنا أريد كوب ماء بارد نظيف وغير ملوث كالذي تشربون منه.
ناولته كوب الماء وأنا أحدق فيه كمن يحاول أن يتأكد من نظافته، ولساني يكاد يشي بما يدور في خلدي من تساؤلات عن حقيقة مقدار التلوث في الماء الذي نشربه نحن، وليس عن حقيقة كونه ملوثاً أم لا.
شرب البحر كوب الماء دفعة واحدة، وبدا وكأنه يستجمع أفكاره، ثم قال :
- يا جارتي، أنت لم تجانبي الصواب عندما قلت إن البحر لا يذهب إلى إنسان، لكنني رأيتك استثناء، فقررت أن أغامر بفعل الاستثناء معك، لقد سئمت الاستماع إلى ما يبثه عشاقي لأمواجي من لواعج الشوق، وما يوشوشونه لأصدافي، ويهمسونه لفيروز شطآني، ومللت إلى حد الاكتئاب الذي تسمونه أنتم اكتئاباً مرضياً، من قصائد الشعر المكرر والممجوج والتي ينظمها الشعراء للتغزل فيّ ، والأحاديث الموجهة إلي أو على لساني، أو عني، والتي يكدِّسها أدعياء الأدب فوق بعضها بعضاً،و ينشرها الناشرون دون قراءة كلمة واحدة منها، حتى لا يخسروا الكاتب الذي يصبح بالنسبة لهم قارئاً جديداً. باختصار شديد، أنا قد سئمت الاستماع إلى بني الإنسان وأريد أن أتبادل الأدوار.
قلت والدهشة إلى حدِّ الريبة لم تفارقني بعد:
- ولماذا اخترتني أنا من سائر الخلق لتتبادل الأدوار معي؟
أجاب بحكمة آلاف آلاف السنين، وهدوء الواثق بقوة المنطق واليقين:
- هذا سؤال المتجاهل، وما أحسبك بحاجة إلى أن أذكرك بلقائنا في كل ليلة، حتى في ليالي الشتاء، وكيف تلتقي العين بالعين فتقولان مالا تنبسين منه ببنت شفة، ولا أسمع منه حرفاً، أو أرد عليه ولو بإشارة استحسانٍ أو استياء؛ صمتك هذا يا جارتي كان استثناء لم أعهده في زمن الكلام، والذي يهرف فيه الهارفون بما يعرفون أو لا يعرفون، وكونك استثناء قد أغراني بحبك.
قاطعته قائلة بارتباك واضح :
- تحبني ! هذا إذن ما قصدته بواو العطف التي تركتها معلقة عندما قلت إنك جاري و.. _ نعم، جارك وحبيبك.
لم أستطع أن أمنع ابتسامة باهتة تلهث كبندول ساعة بين القلق وشيء من الفرح الغريب غرابة الموقف ذاته، سكبت في عيني البحر تلك النظرة التي اعتدت أن أرسلها لتنام بين جفونه، وهمست بما اجتهدت كل الاجتهاد ألا أجعله يبدو استخفافاً بحس عاشق :
- البحر عاشق ! وماذا تتوقع أن تكون ردة فعلي؟ أبادلك الحب، ومن قال إنني لا أحبك، بل أعشقك بكل ما يكون العشق، ولكن تظلّ أنت البحر وأنا لست إلا أنا.
- وهل سألتك أن تكوني غير ما أنت، أو حتى وعدتك بأن أكون أي شيء غير البحر! أجمل العشق يا جارتي هو ما يتمرد على المألوف، ويكسر حواجز المعتاد والمتعارف عليه، ويلتقي فيه العاشقان على حدود نشوة النظرة الحالمة في العيون، وتوحُّد دقات القلب هائمة في كوكب أحلام لا يصنعه إلا عشق العاشقين، وأصدق العشق يا جارتي ما لا يتجاوز العشق إلى الرغبة في المعشوق تحت أيّ مسمى، ويدمِّر في سبيل ذلك القلاع و الحصون، وأخلص العشق يا جارتي، عشق لا تذوب فيه ذات عاشق في ذات معشوق، ولا يكون فيه أحدهما إلا ذاته، ولا يكون فيه أحدهما مجرد تابع أمين..
ما كل هذا، أهو البحر يتكلم بالفعل، أم أنه كيوبيد أو حتى زيوس رب الأرباب على جبل الأولمب.
ولماذا أرحل بعيداً إلى بلاد الإغريق، وديار بني عذرة في بادية العرب أكثر قرباً و قرابة، هو الحب العذري إذن يا جاري البحر. لكم يهزُّ أعماقي هذا الحب، ولكم أتمناه في زمن المادة و النواة، والشيء لزوم الشيء، واللي ما معوش ما يلزموش. ولكن لا تزال المفاجأة تستحوذني وتهزُّ أعماقي، واعذرني يا جاري البحر إن كنت لم أتوقع منك كل هذه الشاعرية والحس المرهف.
وكأنني قد لمست الوتر الحساس، وكأن البحر كان قد ملَّ حالة الهدوء معي، فعاد إلى صخبه والكلمات تتدافع على لسانه، كما يتدافع رصاص مدفع رشاش في طريقه إلى وجهته:
- هل أستأمنك على سر فتحفظيه ؟
بادرت بالإجابة دون تفكير، فأنا مستعدة لقول أي شيء مقابل أن أعرف السر، وأحفظه أم أشيعه، دع ذلك للظروف :
- هات ما عندك، وسرك يا بحر في بئر بلا قرار.
- أنا البحر الذي تنعتونه بالغدر، والبعد كل البعد عن الأمن والأمان، أنا الذي ابتلع أطفالكم وحتى كباركم أيضاً دون شفقة ولا رحمة، أليس كذلك ؟ أنا الذي أخفي الرزق في أحشائي ولا أخرجه لصياد لا يريد أكثر من أن يقيم أود أطفاله! فليقل الناس كل ذلك وأكثر، فأنا قد اعتدت منهم الكلام، كل أنواع الكلام فحسب، أما أنت من جئت لأتبادل الأدوار معها فأتكلم أنا وهي تسمع في صمت، لا بد أن تعي الحقيقة، والحقيقة المجردة هي أنني لست غادراً، بل هم من يضعون للغدر مفهوماً يتناسب مع رغباتهم ومصالحهم، ويبرر قصورهم وتقصيرهم، بل ويتستر على حماقاتهم. قولي بربك هل رأيت يوماً أمواجي تندفع إلى الداخل أم تتدافع نحو الشاطئ ؟ ولا حاجة لأن تجيبي أنت على سؤالي، فالواقع يعرفه الجميع، أنا أحاول أن أدفع بكل قوتي من يريد التوغل في أعماقي، وأبقيه على حدود الأمان، لكنه الإنسان لا يعرف القناعة ولا يرضى بما هو عليه ويوغل البعض في تحدِّيهم على غير علم بقواعد اللعبة ولا موازين القوى، فيخسرون. ورغم أن الإنسان هو الذي يسعى إلى حتفه بظلفه، فإنني وعلى عكس ما تفعله اليابسة عندما يودع جثمان الإنسان الثرى، ألفظ الجثة لتعود إلى أهلها فترتاح نفوسهم ويتقبلون قضاء الله وقدره.
فجأة تغيرت ملامح وجه البحر واستعادت صفوها، وكأنه قد تذكر أنه جاء في مهمة شاعرية رقيقة رقة ياسمينة تأوجت في أحضان نسمة صباحية تنعش القلوب قبل الوجوه، قال بصوت منخفض يقترب من همس العشاق:
- اغفري لي انفعالي، وصدقيني أنني لم أزرك الليلة لأقول هذا، فلو كان ذلك بغيتي لقصدت أي مكان في غزة يجتمع فيه اثنان، واستمعت لما لا أسمع سواه من أحاديث الأسى والأسف والحزن على ما فات والخوف مما هو آت. ولركبت موجة الانقسام، فسمعت هذا يلعن ذاك، وأصغيت لذاك يقول في هذا ما لم يقله مالك في الخمر.
- دعينا من ذلك كله، وأخبريني، أليست تلك نرجيلة ؟
- نعم هي كذلك.
قال بلهفة بادية رغم محاولة ضبطها وتحجيمها:
- كم أنا مشتاق لها، ساق الله على أيامها عندما كنت أتسلى بها في ساعات ضجري
قلت باستغراب ليس فيه أي تكلف :
- وما الذي يحول بينك وبينها وأنت البحر ومئات منها مزروعة على شواطئك كأعواد البصل في الحقول ؟
أشاح وجهه عني وبحركة مسرحية خفيفة الظل، نظر إلى السماء وقال في أسى :
- أسوأ ما في الأوقات الحلوة هي أنها تنتهي وبأسرع مما نعتقد أو نحب.لا بد أن أعود الآن إلى شاطئي قبل أن يستيقظ زوجك ويصيح بي بصوته الجهوري، امضِ يا بحر، جئت تطلب ماء أم جئت تشعل البيت ناراً، أفلتت نوبة الضحك من عقالها، فقلت له ساخرة :
- ياعم نار إيش، وانت كلك على بعضك ميه في ميه.
أجاب بسرعة بديهته المعهودة وقدرته الفائقة على توظيف الموقف لإسقاط ما يريد :
- في الزمن الذي يأتي فيه البحر إلى الإنسان، وإلى أن أستطيع إثبات أنني لست سوى ماء في ماء كما تقولين، سأكون قد وقعت على ألف اعتراف بأنني من أشعل كل حرائق الكون، وربما أيضاً حرائق قلوب العشاق.
في طريقنا إلى الباب، توقف البحر عند حوض سباحة متنقل في ركن الحديقة. استند بمرفقيه على حافة الحوض وراح يتأمل صفو الماء في الحوض وهو يداعبه بيده. قال وهو يرمقني بنظرة ذات مغزى :
- لديكم بحركم الخاص بكم إذن!
أجبت وقد فهمت ما يرمي إليه :
- ولا بحر ولا شي، المقامات محفوظة يا كبير، إنه مجرد حوض يغني أطفالنا عن المجازفة بالسباحة في المياه الملوثة.
- والتي هي مياهي، مفهوم يا جارتي.
القدر الهائل من الأسى والذي لفَّ به البحر كلماته تلك، أشعرني باضطراب وحرج لم يترك لي سوى التلعثم وأنا أحاول أن أرد، وأفسر، أو بالأحرى أدافع عن موقف شعرت بأنني أنا المتهمة فيه، إن لم أكن المدانة ومن أول جلسة محكمة :
- الأمر ليس على ما فهمته بالمطلق، نحن وأطفالنا نحب زيارتك ونقضي أمتع الأوقات في صحبتك، ولكننا نفضل السباحة في الأحواض الخاصة، والتي هي كما تعرف أكثر أمنا وسلامة.
- -و نظافة
قالها البحر بنصف ابتسامة ساخرة وهو يدس أنامله بين خصلات شعري التي داعبتها نسمة مرت على غير انتظار فنثرتها على وجهي . أردف قائلاً وهو يلملم الشعر الشارد ويغوص بعينيه في خلجان عيني :
-لا عليك يا جارتي الحبيبة، إن هي إلا لحظة أسف على ما آل إليه المآل. تريدين الصدق يا جارتي، لولا بقية من حياء في زمن عزَّ فيه الحياء، لخلعت ملابسي وألقيت بنفسي في هذا الحوض، وأخذت أسبح وأسبح، أو بالأحرى أغتسل وأغتسل إلى أن أرى في عينيك الرغبة في أن تلقي بنفسك في أحضاني دون أي شائبة تأفف أو تقزز.
ارتعشت شفتاي وتراقصت أهدابي وعلا وجيب قلبي، كمراهقة لمس حبيبها يدها فجأة في أول موعد غرام. فررت من اضطرابي العاطفي إلى الدعابة، قلت وأنا بين الضحك والاستغراب :
- ليتك تفعلها لتكون خبر الموسم وعجيبة الزمان، إن تسبح الأشياء في البحر ليس خبراً، أما أن يسبح البحر في حوض سباحة فذلك هو خبر الأخبار.
ودعني البحر بنفس النظرة المشربة، وعاد من حيث أتى بعد أن أكد أن هذه الزيارة لن تكون الأخيرة، وأن حديثه معي لم ينته بعد. وقفت وما زال في ليلة السهر بقية، ومددت بصري إلى البحر ولكن بنظرة جديدة في زمن أصبح على الإنسان فيه أن يوقع ألف إقرار بإشعاله حرائق الكون كلها ، قبل أن يصدقوه ويقروا بأنه ليس سوى ماء في ماء.























