شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 09 اعسطس 2026م15:21 بتوقيت القدس

البقاء الثقافي: المسرح الفلسطيني مثالاً

12 مارس 2016 - 11:28
تحسين يقين
شبكة نوى، فلسطينيات:

ندوة فرانسوا أبو سالم المسرحية في جامعة بيت لحم: تفكير، ومسرح، وقضية، وأمل بميلاد جديد. ما يطفو من أسئلة على السطح، يرتبط بأجابات في العمق ربما، وربما هذا لعب بالكلام. كيف استطاع المسرح الفلسطيني الوجود بعد نكبة 1948 وهزيمة 1967 وما تلاهما من حروب واحتلال مستمر؟ كيف كان المسرحيون/ات قادرين وقادرات على تحدي ظروف الاستلاب والاحتلال والعوز؟ وكيف عبروا جميعا تحولات العقدين الأخيرين؟ وكيف يفكرون للخلاص من أسرها؟ ستقودنا الأسئلة للمضمون، إذ لولا موضوع المسرح لما صار له رسالة تحمل في داخلها قضية إنسانية نبيلة. وستقودنا أيضا إلى مفارقة كيف أن المسرح ازدهر في ظل الاحتلال، وكيف تراجع في ظل هامش السلطة الوطنية، والتي أصبح لها سيادة لا بأس بها في التربية والثقافة والإعلام؟ سيهتف إميل حبيبي في رواية "سعيد ابي النحس المتشائل"، على لسان محمد البكري إلتي حولها إلى مونو دراما مسرحية رائعة وخالدة "خيال شرقييا محترم" ! ترى كيف عاش من ظل هنا وسط السلب؟  كانت بلادهم قد احتلت، وكان لا بدّ من دفع ضريبة الوجود في ظل الاحتلال؟ "لا لا يا معلم، ليست حكاية السمكة الذهبية، وليست غيرها من حكايات ألف ليلة وليلة، هي السبب في ضياع ولدي، وحيدي ولاء، فلو انطلق هذا الخيال الشرقي المكبوت، الذي تنفس بألف ليلة وليلة، لعانق النيرين. ولولا هذا الخيال الشرقي هل استطاع عربك، يا معلم، أن يعيشوا في هذه البلاد يوماً واحداً؟  "ولكنني لم أجع، فقد بسطت، في زاوية في وادي النسناس، بسطة كنت أبيع فيها الخضار .. فإذا جاء موسم البطيخ بعته أحمر حلو المذاق على السكين، فلما سلطوا علي عساكر البلدية حليت أفواههم، فلما رجمني أولاد الحارة، على اعتبار شهرتي الشهيرة، استحليتها منهم فتركوني أحل في الحارة مطمئناً". نترك تلك الاقتباسات من رواية المتشائل، التي تتحدث عن الوجود البشري، للحديث عن الوجود الثقافي، ترى كيف استطاع البقاء؟ قلنا أن الأسئلة ستقودنا إلى مفارقة كيف أن المسرح ازدهر في ظل الاحتلال، وكيف تراجع في ظل هامش السلطة الوطنية، والتي أصبح لها سيادة لا بأس بها في التربية والثقافة والإعلام؟ إنها مفارقة يمكن بناء مسرحية عليها!  ندوة فرانسوا أبو سالم المسرحية في جامعة بيت لحم:المشاكل الممارسات والتحديات. هي قضايا تقليدية، ولكن الاشتباك معها ربما يقود لحالة إبداعية. وربما لو فكّرنا قليلا لأمكننا تعريف المسرح الفلسطيني المعاصر؛ لما للتشخيص من ضرورة اقتراح حلول، هي قطعا أعمال مسرحية إبداعية. سيضحكنا قليلا أستاذنا راضي شحادة وسيبكينا،( تلك كانت آخر ضحكات ودموع الكاتب الحيفاوي سلمان ناطور الذي رافقته في الندوة). الفنان الكبير ابن فلسطين والعروبة والانسانية راضي شحادة في افتتاح ندوة المسرح الفلسطيني في جامعة بيت لحم- ندوة فرانسوا ابو سالم :اضحكنا قليلا وابكانا اكثر، وجعلنا نمضي باقي اللية في تأمل حالتنا-الوطنية والقومية فنيا ومسرحيا وثقافيا ووجوديا. لقد وضع كل النقاط على الحروف، ولي أن أستمع لآخر تأملات سلمان ناطور في ثقافة فلسطينيي عام 1948، وفلسطين بشكل عام. كيف يستمر بشكل منهجي تشتيت الثقافة والفن، والذي هو وسيلة مهمة غير مكلفة لتدمير الوجود الجمعي-ثقافيا. بيت قصيد وجهة نظر ناطور، تتمثل في نفخ البلالين: استسهال الأمور، ومنح المدعين لقب مبدعين، فكل من خط كلمة يصير كاتبا، وكل من يرسم يصير رساما، ومسرحيا ومفكرا، فيطفو على السطح الفلسطيني 1948 كل ما له علاقة بالسطحية والركاكة والتبعثر. أعود لراضي شحادة في كوميدياه وتراجيدياه التي في استعراضها للتاريخ المسرحي للحكواتي يكون قد استعرض فيها تاريخ المسرح، والثقافة والفكر، والوجود الوطني-القومي والإنساني، ليس للفلسطينيين فقط، بل للعرب، الذين وصلوا بسحر ساحر إلى ربيع أسود، غير أخضر! لربما تتشابه عوامل البقاء لفلسطينيي عام 1948، للثقافة والفكر، مع الفلسطينيين في كل مكان الذي ما زالوا يعيشون تحدي البقاء. هذا ما تحدث به شحادة، لكن ما فاجأنا به هو ربط الوجود العربي القومي بهذا التحدي، حيث أصبح الحضور العربي في خطر، وليس معرضا فقط له. ما زلنا في التاريخ والجغرافيا، تاريخ المسرح وجغرافياه، الزمان والمكان والإنسان. سلمان ناطور، يقاتل حتى النهاية، ليكتشف المتفرجون أنها بداية البداية، ومن أين؟ من هناك الجميل البديع الفلسطيني الباقي: مسرح 1948، وكيف يمكن تقديم المضمون بأيسر الأشكال الفنية، عبر الحكاية. ومن قطاع غزة المحاصر، تطل علينا الحكاية عبر تكنولوجيا المعلومات، ليتساءل غاز: ما بالهم الغزيين كلما غطينا عليهم الأبواب فتحوا نوافذ! خطر الاحتلال الكولينيالي على الفلسطينيين، يعانق خطر تدمير التنوير العربي، أو ما تبقى منه، حالة الدواعش مثالا. هذا استدعى ذلك، وانسجم معه، واستطاع النمو والتطاول في زمنه. فإعجاز ان يكون هنا مسرح وثقافة كما قال راضي شحادة الفنان الجليلي المؤسس  في الحكواتي. واعجاز اننا بقينا: فلسطينيو 1648 وفلسطينيون آخرون في أكثر من مكان، وعرب كثيرون، إذ ما الوجود إلا الوجودي المعنوي الثقافي الإنساني؟ ما الوجود إلا الحضور على المسرح العالمي؟ المسرح السياسي والثقافي! لكننا هنا، في بيت لحم فلسطين، نبقى في ظل الانحياز للتفكير، والمسرح، والقضية. وعي ورثاء وأمل، بميلاد جديد. يأتي سامر الصابر الشاب الفلسطيني المقيم في الولايات المتحدة، ليصرّ على البقاء، بل ويدعم بقاءنا، عبر تجربة الحكواتي، التي بدأت من الصفر، حيث أعادنا إلى المسرحيين البناة، الذين لم يبنوا فقط المسرح، بل بنوا المكان بتجهيزاته. هو البناء الفيزيقي المادي-والمعنوي: الوجود! هنا ومن أجل البقاء، يناقش المسرحيون، (في حوار لعله يكون فنيا أيضا) قضايا متعددة، يلامسون ويلامسن مسألة التمويل، والتي تقودنا إلى مفارقتنا الأولى: كيف أن المسرح ازدهر في ظل الاحتلال، وكيف تراجع في ظل هامش السلطة الوطنية؟  أما رابطة المسرحيين بتاريخها المهني والوطني-النضالي، فقضية الخلاص الجمعي إذا توفرت النوايا. وهنا في ظل هذه الحيوية الباقية في مسرحنا الفلسطيني، يصبح الحديث عن دور المسرح في التغيير الثقافي والاجتماعي له قيمة، ويصبح الفعل في (المسرح والتعليم) أداة فاعلة، خصوصا في التأسيس لثقافة الحوار بعيدا عن العنف، حيث نستشف من ورقة د. رانية جواد حول العنف والفرجة في المسرح الفلسطيني، ما ينيرنا على الفعل التنويري. نهارا في بلد الميلاد، نكون في حوار طويل، وفي الليل، لنا مشاهدة مضموننا الفلسطيني عابر الأزمنة ومنها زمن التحولات هذا. نشاهد عروض: في ظل الشهيد، والممر، ورجال في الشمس! العروض تختصر تاريخنا وواقعنا وحاضرنا المؤلم، لكن في ظل الأمل، في طرقات تنيرها الشمس، ما دام أن هناك من لم يملّ من الدق على جدران الخزان-الوطن. لعل ما مضينا فيه وبه،  هوإعادة تعريف للثقافة والفن فلسطينيا وعربيا وعالميا أيضا على ضوء التحولات، التي ما زالت تؤثر فينا عميقا.

كاريكاتـــــير