غزة-نوى:
في سوق شعبي، أو على حواف الطرقات، أو حتّى في محلات، يلفت أنظارنا نساءً صغيرات في السّن كانوا أم كبيرات، مزارعات بالأساس، مقاومات أيضًا، يعملن كـبائعات خضروات وفواكه منذ زمن بعيد، وقريب، صباح عبد القادر (57 عامًا) نموذجًا.
يتجمهر أمامها حشود من الزبائن، في الأسواق خاصّة، قبضاتها مرفوعة إلى الأعلى وصوتها يعلو ويردّد: "حلوة يا بازيلا"، و"يلا يا فراولة، زيّ العسل يا فراولة".
تحاول صباح، بعد أن تعرض ثمار أرضها، أن تحقّق انتصارًا على منافسيها من البائعين من خلال الصياح بصوت أعلى، قطرات العرق تتصبّب من وجهها المشبع بالشّامات شيئًا فشيئًا، مع اكتظاظ المشترين وتدافعهم حولها. ومن السّاعة السّابعة صباحًا حتّى أذان الظهر تكاد تكون أنهت عملها على أكمل وجه في ابتياع ما جنت من الثمار.
على الجانب المقابل من الشّارع، في سوق الخضار بحي الشجاعيّة، يصطفّ عمّار زوجها ومنتوجات أرضه أمامه، "البازيلاء والفراولة، والبرتقال" مناديًا بنفس الكلمات لانتزاع الزبائن من البائعين الآخرين لا من زوجته.
منذ بزوغ الفجر يسعى الزوجان إلى الذهاب للأرض المتاخمة للحدود مع الاحتلال شمال غزّة، رغم خطورة الأوضاع إلا أن حصاد ما زرعوا يكون بانتظارهما لقطفه وبيعه طازجًا، وذو جودة عالية كي يحافظا على الزبائن والسمعة الجيّد في السوق.
ربّما كان المشهد مألوفًا بالفعل، لكنّه يحمل في طيّاته قصّة كفاح ومقاومة. لم يكن عاديًا بالنسبة إلى امرأة تربّت على حياة ترف وبزخ بعيدًا عن الأعمال الشاقة أن تمتهن الزراعة ورعي الأغنام وحلب الأبقار والمساهمة في بيع ثمار الأرض برفقة شريك دربها الذي اختارت أن تكمل حياتها معه رغمًا عن إرادة أهلها ومحاولاتهم منع زواجها منه.
فمنذ حوالي خمس وعشرين عامًا قرّرت صباح أن تتحدّى والديها وتتزوّج من شاب كانت قد التقته في بيت عمّها مصادفة، حينما كان يساعد في حراثة الأرض وزراعتها ما جعلها تتردّد باستمرار كي تراه وكان يبادلها نفس الاهتمام الذي دفعه أخيرًا إلى خطبتها، تقول: "كنت أشعر أنه يبادلني نفس الاهتمام، فهمت ذلك من نظراته وارتباكه حين يراني، كما كان يحدث لي بالفعل" كانت تتحدّث وعيناها تبتسمان وتتنهّد وأخيرًا علّقت بالقول: "أنا أحببته، وهو كذلك. أحببنا بعضنا البعض وكان تقدّمه لطلب يدي مفاجئة كبيرة لي ولعائلتي لأنه لم يشعرني مسبقًا بنيّته في الزواج منّي"
وبعد رفض ذويها له، ومحاولة منعها من الخروج والالتقاء به طلبت من عمّها أن يقف معها ويساندها في اختيارها، وتروي: "قابلت عمي لأقنعه بدعمي واستطعت فعل ذلك بصعوبة، تحدّث إلى والدي ورفضا، لكننا قررنا بالنهاية ان نتزوج رغمًا عنهما بمساعدة عمي الذي ساعدنا في إتمام كتب الكتاب من دون حفل زفاف ما كان صاعقًا لأهلي ولم يتقبلوا الأمر إلا بعد ثلاثة أعوام حين أنجبت طفلي الأوّل".
تتابع صباح أنها منذ أن تزوّجت به وصارت ترافقه في عمله كمزارع إذ تعلّمت أصول الزراعة وجني الثمار منه، قائلة: "في البداية كان العمل شاق جدًا لكني لا أنكر أنني استمتعت بصحبته وبإنجازي وإيّاه. فلست وحدي كذلك، بل كنت سعيدة بخواته وأمّه اللاتي ساعدوه ووالدهم من قبلي في فلاحة الأرض والبيع بالسوق، وبعضهن كان يصنع الجبنة في المنزل ومن ثمّ يتجهن بها إلى السوق لبيعها"
المرأة الخمسينيّة أنجبت ثلاثة أولاد وأربع بنات، جميعهم خاضوا العمل مع والديهما، بالإضافة إلى أنّهم أتمّوا دراستهم الجامعيّة والآن أصبح لكلّ واحد منهم عمله وحياته الخاصّة، فمنهم تزوّج ومنهم من يعمل سعيًا للزواج. وفي الوقت الحالي ترفض الأم مساعدة أبناءها في الزراعة كونهم منشغلون بأعمالهم الأخرى ولكنّها وزوجها فتحا المجال لعاملين يساعدهما في الزراعة وحراسة الأرض أثناء انشغالهما في بيع الثمار.
وفي حديثها عن زميلاتها البائعات بالسوق تقول أنها تشعر بالنشوة إن تفوّقت عليهن وابتاعت منتوجات أرضها قبلهن، كما أنّها تذهب لمساعدة زوجها المصطف أمامها كونها أنشط منه وأكثر براعة في جذب الزبائن.
أمّا بخصوص تعليقات النّاس أجابت أنّ هذا الأمر لا يهمّها بتاتًا، وامرأة استطاع تجاوز كل المحن التي تعثّرت بها خلال حياتها وصعوبة التأقلم مع زوجها في البداية والانخراط في العمل معه، فبطبيعة الحال لن يعنيها ما يقال بل على العكس دعمها لإثبات نفسها أكثر، وصنعت شعبيّة لها بالسوق تدعمها ماديًا ومعنويًا.























