غزة-نوى:
باتت يافطات التخفيضات مشهدًا عامًا في الأسواق الفلسطينية بمدينة غزة يفر إليها التجار هربًا من جحيم الكساد الاقتصادي الذي لم يرحم بضائعهم المكدّسة دون أن تجد من يشتريها بسبب الأزمة المعيشية الخانفة التي يعيشها قطاع غزة والتي تفاقمت في السنوات الأخيرة.
إقبال الناس على البضائع انخفض بشكل كبير ولم يعد ممكنًا تسويق البضائع دون تسهيلات ترغّب الناس في الشراء كما يقول التاجر سيف جبر صاحب محل بوستر مان للأزياء الرجالية وسط الرمال، والذي أضاف في مقابلة مع نوى إن الاقبال على التخفيضات التي يقدمها جيدة بشكل عام.
يعاني قطاع غزة من نسبة بطالة عالية فضلًا عن آلاف الموظفين الذين عينتهم حماس عام 2077 لا يتلقون رواتبهم منذ عام 2014، الأمر الذي يجعل حركة السوق مقتصرة على الفترة التي يتلقى الموظفون التابعون لرام الله رواتبهم.
يكمل جبر:" لا يهم هامش الربح بقدر ما يهمني بيع البضائع المتكدسة في المخازن، أن نبيع بسعر الجملة أو حتى بمخسر أحيانًا، فالطلب قليل والعرض كثير والوضع الاقتصادي صعب ولا يبدو أنه سيتحسن بل بالعكس فهو يزداد سوءًا يومًا بعد يوم".
أما أبو محمد صاحب محل زينة للملابس في شارع الرمال فيقول:"نقدم عروضًا كبيرةً تصل 50% لتشجيع الزبائن على الشراء ورغم ذلك فحركة البيع ليست بالمستوى المطلوب، فكثير ممن يدخلون المحل يلقون نظرة ثم يغادرون".
ويضيف أبو محمد :"لجأت إلى التخفيضات بعد تراجع حركة الإقبال بشكل كبير خلال الفترة الأخيرة والأرباح لا تغطي التكاليف وهناك دفعات مستحقة علينا لصالح التجار ونحن ملزمون بتسديد ما علينا".
يتابع :"قد نضطر لاستمرار حملة التخفيضات على مدار العام وليس بمواسم معينة كما كان الحال سابقًا، فنحن نعاني من ركود تجاري منذ خمس سنوات وكل سنة من سيء إلى أسوأ وأصبح الوضع صعبًا جدًا في السنتين الأخيرتين، ولولا استثمار الأيام الأولى لنزول الرواتب لتحسين الوضع لأقفلنا محلاتنا".
وتتذمر العاملة في محل بوتيك رياض للأطفال التي رفضت ذكر اسمها من قلة المبيعات وكثرة الزائرين الذين يجادلون في الأسعار رغم أنها بسعر التخفيض أي بسعر التكلفة الإجمالية للقطعة.
وتقول العاملة "الإقبال على الشراء ضعيف رغم العروض التشجيعية وتعزو ذلك إلى الظروف المعيشية للناس في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة فمستوى الدخل متدني والناس تفضل شراء ما يلزم على شراء الملابس".
أما صاحب معرض الشرفا لملابس الأطفال يقول :"أكثر من يرتاد المحل هم متوسطي الحال وعادة ما يقبلون على شراء الملابس البسيطة الرخيصة غير المكلفة"، مشيرًا إلى أن بعض من يدخلون المحلات يذهبون في النهاية لأصحاب "البسطات".
لكن صاحب أحد البسطات المجاورة يعقّب :"حتى هنا فالحركة بطيئة وضعيفة".
واقعٌ تؤكد د.خلود الفليت أستاذة الاقتصاد بالجامعة الإسلامية صعوبته، وتضيف إن الأوضاع السياسية التي يعيشها قطاع غزة والمتمثلة بالانقسام لها الدور الأكبر في انخفاض مستويات المعيشة وبالتالي ضعف القدرة الشرائية نتيجة انقطاع رواتب بعض الموظفين وتأخر غيرهم وبعضهم يحصلون على 60% فقط من الراتب، ما يدفع الناس للاهتمام بالسلع الأساسية.
وتعرّف الفليت الكساد التجاري بأنه مشتق من النشاط الاقتصادي وهو يعني انخفاض القدرة الشرائية بمعنى أن هناك بضاعة في الأسواق بجودة عالية لكن لا يوجد إقبال من المشترين عليها في الأسواق.
توضح الفليت أن الحصار الاقتصادي وإغلاق المعابر وعدم توفر عمل وقلة السيولة لدى المواطنين أدى إلى تدهور المستوى المعيشي للعائلات وارتفاع أعداد الفقراء والعاطلين عن العمل وأوجد نظامًا اجتماعيًا جديدًا تمثل بظهور طبقة تحت خط الفقر وطبقة شديدة الغنى وطبقات فقيرة.
تشدد الفليت على أن العروضات ليست حلًا جوهريًا لمشكلة الكساد إنما مطلوب تكاتف جميع الجهات، بدءًا بالحل السياسي الذي سيفتح أفقًا جديدًا لكل الشرائح الاجتماعية، وينعش الحركة التجارية وينهي الأزمة المالية التي يعيشها قطاع غزة.
كما يعتمد الحل وفق الفليت على مستوى رب الأسرة بحيث يقوم بوضع ميزانية للدخل المادي للأسرة ويحاول توزيع الدخل البسيط على الاحتياجات وشراء ما يلزم وهو ما يسمى بـ( موازنة الأسرة ).
من ناحيته، يؤكد الخبير والمحلل الاقتصادي الدكتور ماهر الطباع أن تراجع القدرة الشرائية للمواطن يعود لتعرض الاقتصاد الفلسطيني لخسائر كبيرة نتيجة الحصار إضافة إلى ثلاثة اعتداءات إسرائيلية خلال أقل من خمس سنوات.
ويكمل الطباع:"هذه العوامل ساهمت في ارتفاع البطالة الى نحو 43% ، ووصلت البطالة في وسط الخريجين وفئة الشباب الى 70% بينما وصلت معدلات الفقر والفقر المدقع 65%.
كما فاقمت أزمة الرواتب من تدهور الأوضاع الاقتصادية في القطاع بحسب الطباع، فأدت إلى قلة الموارد وقلة الدخل والشلل في حالة العرض والطلب الذي انعكس على انخفاض القدرة الشرائية للمواطن فأثر على حركة الأسواق.
وشدد الطباع على أن انتشال غزة من هذا الوضع الاقتصادي يكون برفع الحصار الظالم عن قطاع غزة وفتح المعابر واستقرار الأوضاع السياسية لعودة الاقتصاد لطبيعته.























