غزة- نوى:
عندما كُلّفت الصحفية رشا فرحات، من غزة، تولي مهام نائب مدير في إذاعة الكترونية، تحولت من زميلة عمل إلى مديرة، حتى بدأ التمرد واتخذ شكل علاقتها مع الزملاء "الذكور" منحى أخر، ليس لأنها أخذت مكان منافس لا تستحقه، وهي ذات الخبرة الطويلة في العمل، ولكن لأن مجتمعنا الذي يتّصف ب"ـالمحافظ" لا يزال لا يتقبل أن ترأسه امرأة.
وجود المرأة في مواقع صنع القرار الإعلامي، لا يزال محدودًا جدًا، على الرغم من إقرار رؤساء التحرير الذين التقيناهم في طاولة مستديرة في "إطار برنامج" النساء في غرف الأخبار" الذي نظمته فلسطينيات، من أنّهن يشارِكن في اتخاذ القرار بشكل اكبر على صعيد العمل الالكتروني، الذي يتم ممارسته من البيت، دون الحاجة إلى الدوام في المكتب لا سيما ساعات الليل.
تقول فرحات، وهي أم لـ 4 أطفال: في بداية تسلُمي للمهام الإدارية إلى جانب عملي كصحفية ومذيعة ومحررة، اعترض بعض الزملاء على ذلك، وقالوا" كيف ستحكُمنا مَرة!"، وهي واحدة من المعيقات التي واجهت رشا، حتى شكل العلاقة تغير، وبدأت أُحارب فيما أتخذه من قرارات، أرى صوابها من وجهة نظري، فيما يراها رئيسي المباشر، تتجاوز صلاحياته، تضيف رشا، بعد وقت شعرت رشا أن منصب "نائب المدير"، وهو"غير جدّي" يهدر وقتها بحل نزاعات ومشاكل الموظفين، تقول" صرفني عن الكتابة والتحرير وتطوير نفسي، صرت أحل مشاكل وأنا في البيت، كل شوي اتصال في ظل استهتار الموظفين بكوني "امرأة".
خلال اللقاء أشاد رؤساء التحرير في صحف ووكالات إخبارية محلية بغزة، بأداء الصحفيات مقّرين بعملهن الجيد، وحرصهن على العمل في جو من المنافسة لإثبات الذات. وأنهن يقمن بمهام وأعباء صحفية وتحريرية، ويتخذن قرارًا حرًا بالنشر، ولكن كل ذلك دون أدني مسميات وظيفية قيادية، ورواتب منصّفة بحجم الأعباء الكبيرة الملقاة عليهن. بل أن مهامهن تأتي للتخفيف من أعباء رئيس التحرير" الذكر" حيث الوظائف المزدوجة، كأن يعمل مراسلًا لعدة وسائل اعلامية في آنٍ واحد مثلًا!.
في وكالة فلسطين اليوم بحسب صالح المصري رئيس التحرير يوجد صحفية تتولى مهام تحريرية، بمسمى" مديرة التحرير"، ولها من الخبرة 8 سنوات، وصحفية تشغل وظيفة "مديرة التدريب" في الوكالة نفسها، المصري يرى انه لا يوجد أي مشاكل في تولي المرأة منصب قيادي في وكالته الإخبارية، مؤكدًا أن لها كامل الصلاحيات في النشر، ويضرب مثلًا في حرب غزة الماضية، عام 2014، عندما تم إخلاء مقر الوكالة جراء تعرضها للتهديد الاسرائيلي، وكُلفت مراسلة صحفية من الضفة بالنشر عبر الوكالة. دون الرجوع إلى إدارة التحرير. وهو ظرف استثنائي، فيما يشير إلى أن هناك عوائق اجتماعية، تحد من وصول المرأة لمراكز صنع القرار في المؤسسة الإعلامية.
أما صحيفة الاستقلال الأسبوعية، فإن قرار النشر فيها ذكوري بإمتياز، بحسب ما فهمناه من توفيق السيد رئيس التحرير في الصحيفة، ولا وجود لنساء في تولي أي مهام إدارية فيها، باستثناء الإشراف على الصفحات الاجتماعية، وهو ما يحدث عادة في معظم وسائل إعلامنا، حيث تُوّكل الصحفيات الكتابة في القضايا الاجتماعية التقليدية النمطية.
تشير الإحصاءات إلى تزايد عدد النساء العاملات في المجال الإعلامي، وتأثيرهن في المشهد الثقافي والإعلامي عامة، وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني" مؤسسة رسمية" فان نسبة الصحافيات يبلغ 36% من إجمالي عدد الصحفيين الفلسطينيين، وأن 55% من طلبة الإعلام في الجامعات الفلسطينية هُنّ نساء، إلا أن مشاركة النساء في مواقع صناعة القرارات الإعلامية الخاصة بالنشر، محدودة جدًا.
وفي حالات نادرة وصلت النساء إلى مواقع صنع القرار في الإعلام الفلسطيني المحلي، فمثلًا: في العام 2015، كُلّفت خلود عساف رئيس تحرير وكالة وفا وهي أول امرأة صحفية تتولي هذا المنصب على صعيد وكالة فلسطينية رسمية، منذ تأسيسها عام 1972.
وتشير إحصاءات العام 2011 إلى وجود إمرأة واحدة كرئيس تحرير في صحيفة محلية، مقابل 9 من رؤساء التحرير رجال، بينما لا يوجد في قطاع غزة امرأة بمنصب رئيس تحرير. وتعمل صحفيتان بمسمى" مديرة التحرير" واحدة في صحيفة يومية، وصحفية في وكالة إخبارية.
يقول الصحفي محمد أبو قمر، أن الصحفيات في مؤسسة الرسالة الاعلامية التي يعمل بها، يقمن بمهام التحرير بشكل كامل، ولكن دون أي مسميات وظيفية منصّفة، نظرا لوجود عوائق اجتماعية، تحد من تقبل المرأة في هذا المكان، وأخرى مرتبطة بالمرأة نفسها، وطبيعة عمل الصحيفة أو الموقع الالكتروني على مدار الساعة، في إشارة إلى تجربة زميلته، "وصلت منصب قيادي، وتمرد عليها الزملاء. ولم يتقبلوا أن ترأسهم إمرأة".
فوق العقبات التي واجهتها رشا خلال تجربتها، فإن المنصب الذي كُلّفت به، لم يكن جديًا، ولم يترتب عليه أي علاوة مادية، أو ترقيه، بل شكل عبء إضافي على عملها. ما دفعها إلى الاعتذار عنه، بعد مدة زمنية تجاوزت 4 أشهر، عدا أنه ليست لديها خبرة كافية في العمل الإداري.
هذا الواقع الذي تتشاركه النساء في العمل الإعلامي في فلسطين لا ينفصل عن واقع مشاركة المرأة في كافة مواقع صنع القرار، فسياسيًا تعتبر مشاركتها محدودة في المراكز القيادية الحزبية، على صعيد عضوية اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والمجلس الوطني والتشريعي، بينما تزداد نسب النساء في معدلات الفقر والبطالة، والحاجة إلى الإعالة والإعانة. ما يتطلب تدخلات لتمكين وتقوية الإعلاميات للوصول إلى مواقع صنع القرار الإعلامي في المؤسسات الإعلامية.
وهو الهدف الذي قام عليه، برنامج " النساء في الأخبار" الذي تديره المنظمة العالمية للصحف وناشري الأنباء (وان-ايفرا (WAN-IFRA)، بالشراكة مع الوكالة السويدية للتعاون النمائي الدولي ووزارة الخارجية النرويجية، ويستهدف صحفيات متميزات في مرتبات التحرير ومساعدات تحرير وذات خبرة، بهدف تخطي الاختلال التوازني بين الجنسين في المراكز الإدارية ورئاسة التحرير، وتشجيع القطاع الإعلامي لخلق بيئة داعمة للنساء في الإعلام والمساهمة في نمو المنظمات الإعلامية المحلية.























