شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 10 اعسطس 2026م10:42 بتوقيت القدس

مصر والوضع الإقليمي والدولي

25 فبراير 2016 - 17:02
مصطفى السعيد
شبكة نوى، فلسطينيات:

يظل الوضع الإقليمي والدولي هو الأكثر تأثيرا على مصير مصر ونظامها السياسي عن الوضع الداخلي وموازين القوى الإجتماعية والطبقية، فمصر هي أكثر البلدان تعرضا للاحتلال في العالم، توالت عليها الغزوات، غازي جديد يأتي ليحل محل الغازي القديم، ولم يلعب الشعب المصري دورا أساسيا في مجيء أو رحيل هذا المستعمر أو ذاك، ولم تذق طعم الاستقلال إلا مرتين منذ أفول العصر الفرعوني، الأولى عندما اضطر نابليون بونابرت إلى مغادرة مصر مع حملته، وكان على أهلها أن يتولوا شئونهم، وإذا بهم يختارون محمد علي الضابط الألباني ليكون حاكمهم، عندما اجتمعت نخبتهم لبحث مصير البلاد بعد رحيل الحملة الفرنسية، وأعتقد أنها حالة استثنائية في التاريخ أن يختار المصريون أجنبيا بمحض إرادتهم ليحكمهم، عندما اعتذر عمر مكرم عن تولي المسئولية، لعدم خبرته بشئون الحكم والسياسة، وقد أتاح التوازن بين بريطانيا وفرنسا، وانشغالهما بالصراع فيما بينهما، فرصة ذهبية اغتنمها محمد علي، الذي تحولت مصر في حكمة من دولة كانت تعيش في ظلمات العصور الوسطى إلى دولة حديثة، ومشروع امبراطورية كبيرة، امتدت حدودها من جنوب السودان إلى الحدود التركية، وضمت الشام والحجاز، وكادت الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا أن يطأ أوروبا، لكن تدارك كل من بريطانيا وفرنسا للقوة المصرية التي بزغت بسرعة، جعلتهما تعلنان الحرب على مصر، واغراق أسطولها، ووضع شروط تقلص قوتها، ليعود الاستعمار البريطاني إلى مصر عام 1882، وينهي انتفاضة أحمد عرابي.

وكان الاستقلال الثاني عام 1954 بعد انهيار الامبراطورية البريطانية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وأفول نجمها لصالح القوتين البازغتين، وهما الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، وكان التوازن بين القوتين فرصة أخرى اغتنمها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ليؤسس دولة مصرية مستقلة، لكنه واجه مؤامرات إقليمية ودولية وارتكب أخطاء وضعت حدا سريعا لطموحه، ورغبته في توحيد العرب.

جاءت الفترة الأشد ظلمة على مصر بعد خضوع مصر للتبعية الأمريكية على يدي أنور السادات ومن بعده حسني مبارك، وزاد من قتامتها انهيار الاتحاد السوفييتي، وانفراد الولايات المتحدة بحكم العالم، وهو ما ساهم في زيادة حدة التبعية، وضعف فرص المقاومة، خاصة في ظل تراجع موجة الاستقلال في المنطقة العربية، وخفوت نجم دول عدم الانحياز.

بدأ الضعف يدب في أوصال الامبراطورية الأمريكية، التي تحاول أن تستعيد سطوتها بالقوة العسكرية، وغزت العراق لتجعل بداية انطلاقة جديدة، لكنها تعثرت، لتعود بمخطط الشرق الأوسط الكبير، لكن المفتت والمقسم ب"الفوضى الخلاقة"، مستعينة بالجماعات التكفيرية، لكن مشروعها آخذ في التردي والخسارة من جديد.

ان بزوغ قوى جديدة مثل الصين وروسيا وغيرهما يمنح المنطقة، خاصة مصر، الفرصة في إعادة إحياء المشروع الاستقلالي، وكسر طوق التبعية، مع بداية انحسار الموجة الاستعمارية الأخطر عن المنطقة، وانكسار الجماعات الإرهابية المدعومة من دول إقليمية، يحركها حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة.

إن دحر الإرهاب في كل من سورية والعراق ومصر وليبيا يمنح فرصة جديدة لكسر طوق التبعية الأمريكية الاخذة في الذبول، لكنه طريق صعب، خاصة في ظل وجود دول إقليمية وقوى داخلية من مصلحتها الإبقاء على طوق التبعية، والتي ستبدي مقاومة شديدة لأي مشروع استقلالي حقيقي، يبني دولة حديثة وقوية.

إن معارك حلب في شمال سوريا والموصل وعدن وبنغازي تقترب في أهميتها لمصر من إزاحة مبارك وجماعة الإخوان عن الحكم، فلا يمكن تحقيق الاستقلال والتنمية الحقيقية إلا مع الكسر الكامل للمشروع الاستعماري الجديد بقيادة أمريكا، وإفشال مخطط السيطرة على سورية والعراق وليبيا، والذي كان يستهدف اعادة المنطقة إلى العصور الوسطى، من خلال حكم الجماعات التكفيرية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان، والدول الداعمة لها في المنطقة.

ويأتي دور النخب الوطنية، وقدرتها على استنهاض عزيمة القوى الشعبية، لتكون وقود حركة وطنية وشعبية قادرة على مواجهة التحديات، وإقامة دولة العيش والحرية والعدالة والكرامة.
عن "الاهرام" المصرية

كاريكاتـــــير