شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 10 مايو 2021م22:18 بتوقيت القدس

مهنة الحياكة بين التراث والوراثة في غزة

04 سبتمبر 2015 - 16:57
آلاء البرعي
شبكة نوى، فلسطينيات:

غزة – آلآء البرعي

كلما اتجهت شرقاً وبدأت قدماك بالدخول لذلك الحي في طرقاته و شوارعه، لاقتك العديد من المحال التجاريّة على جوانب الطريق، التي تشتهر بغزل وصبغ السِجاد والبُسط وأدوات الزينة المصنوعة من الصوف وسراج الخيول،  إذ كانت آلآت الغزل والنسيج "النول" منتشرة في حي الشجاعية في مدينة غزة منذ عقدين من الزمن.

يجلس الُمسن محمد الصواف (70عاماً) يشتغل بحياكة الصوف ، بتجاعيد كفيه التي تروي حكايته ويقول :" آتي إلى مصنعي بشكل يوميّ ، لغزل الصوف و السجاد و البُسط بطريقة يدوية ، فالغزل والنسيج حرفة تم توارثها منذ عهد النبي داوود ، و تناقلت عبر الزمن من أجداده لتصل إليه ".

يتابع :"قبل عقود من الزمن كانت صناعة نسج الصوف، وآلات النول (آلة لحياكة منتجات نسج الصوف)، فقد ازدهرت بشكل تصاعدي في فترة ستينيات وسبعينات القرن الماضي، لكنها بدأت الانحسار في فترة التسعينيات ومطلع القرن الحالي ،أمام الألبسة الصوفية الجاهزة، والنسيج الصناعي المستورد".

يؤكد الصواف على اهتمامه الشديد بمهنة حياكة الصوف و تمسكه بممارستها ، رُغم قلة إقبال الناس على الشراء، التي وصفها بكونها شبه معدومة، و أنه سيورثها لأولاده كونها تحمل اسم عائلته وتاريخها.

تجدر الإشارة إلى أنّ صناعة السجاد اليدوي تبدأ من حلج صوف الأنعام، ومنها تصل إلى أصحاب صناعة البسط، وهم بدورهم يقومون بفصل ألوان الصوف الخام عن بعضها البعض، ثم يتم معالجتها بالتنشيف وإرسالها لغزلها وتحويلها إلى خيوط ترسل للصباغة لتتحول إلى ألوان زاهية، ومن ثم تغسل بماء البحر لتثبيت الألوان ومن ثم تصنيعها..

ثم يأتي دور الحرفي على آله "النول"، وهى آلة لحياكة السجاد وغيرها من منتجات نسج الصوف تتكون من حفرة في الأرض بمساحة تُقدر 120سم في مترين وعُمق 80سم .

 يوضع داخل الحفرة أجزاء من النول تسمى بالدواسات وظيفتها مَسك أجزاء النول الخارجية، ثم تتم مراحل عملية ما يُسمى "بالغرز" وتتم عمليه نسج البساط.

 عن طبيعة وضع الصور الشخصية على السجاد يُكمل الصواف :"عمليه تنفيذ الصور الشخصية تتم "بتسليط جهاز العرض المرئي فوق النول وغزل الملامح عقدة ، عقدة لتخرج الصورة مثل طبيعتها".

يوضح الصواف أن المدة الزمنية لإنهاء نسج الصورة بشكل كامل ، تمتد مابين ثلاثة إلى خمسة أشهر، بينما تستغرق عملية إنجاز البساط نحو الشهرين ".

يضيف:" اسم عائلتنا ارتبط بمهنة الآباء و  الأجداد ، الذين كانوا يتمتعون بشهرة كبيرة في صناعة وغزل النسيج والصوف، وهو ما دفعهم إلى إطلاق اسم الصواف على العائلة".

مثل الصواف تحمل الكثير من العائلات في غزة ، التي يقطنها نحو 1.9 مليون نسمة ، أسماء مهن الأجداد منها اليازجي و الشوا، ويلفت الصّواف إلى أن كثير من أفراد عائلته امتهنوا حرفاً متنوعة ، لكن اسم العائلة ظلّ مرتبطا بالصوف والنسيج.

يُشار إلى أنَّ الحفريات التي جرت في فلسطين  دلت على أن الأنوال التي استُخدمت في غزل النسيج في فلسطين قد ظهرت منذ 5000 سنة، وأهم المدن الفلسطينية التي اشتُهرت بحرفة النسيج والسجاد مدينة المجدل الفلسطينية المحتلة منذ العام 1948.

كما تعد مدينة غزة حاليًّا من أعرق مدن فلسطين في زخرفة النسيج حتى قيل إن اسم الشاش في بعض المدن الأوربية يسمى “غوز” نسبة إلى مدينة غزة، وإن أنواعاً من القماش المصنوع من الحرير أو الكتان يسمى “غزون".

أما الحاجة "أم محمد" في العقد السادس من عمرها  و التي تعمل في حياكة الصوف اليدوي  ، تُعبر بقولها :" يجب الحفاظ على بقاء البساط البلدي، وعدم نسيانه ، لكي يكون تاريخا فلسطينيًا غير قابل للنسيان".

تضيف:" المنتجات اليدوية الصوفية غالية الثمن لا يقبل على شرائها أحد، فمنذ نحو   خمسة عشر عاماً كانت وأقرابها البائعين يجدون رواجا كبيراً لدى المستهلكين على شراء المنتجات الصوفية كالبسط والسجاد الملونة، خاصة من الفلاحين والبدو".

تتابع :"هؤلاء المستهلكين أصبحوا الآن يفضلون شراء المنتجات الصينية كالسجاد والموكيت وغيرها من المنتجات ذات الألياف الصناعية رغم سوء هذه المنتجات ، لأنها رخيصة الثمن".

 تنوّه على أن هذا المشروع تراث فلسطيني خالص يكاد يندثر مع الأجيال المتعاقبة و يجب تدريب الفتيات على إتقان صناعة البساط ، على حد قولها.

حسب المؤرخ الفلسطيني، سليم المبيض، فإن "أغلب أسماء العائلات الفلسطينية في غزة مشتق من اسم الجد الأكبر أو مهنته، وإن كثيراً من العوائل اشتقت اسمها من مهنة الجد الأكبر، مثل عائلة الصّواف، والشوا، والنجار، والحداد، والبنا، والحطاب وغيرها من العائلات التي ارتبطت بموروث المهن".

يستدرك المبيض:"هناك عوائل تعتبر أن المحافظة على اسمها هو نوع من التراث، والالتصاق بهوية الماضي، ولهذا يحاول الآباء نقل المهنة التي تحمل اسم العائلة عبر الأجيال الممتدة".

تبقى في غزة مشاغل عدة تملكها عائلات عُرِفَت منذ سنينٍ بعيدةٍ بصناعة السّجاد اليدويّ ، فتنتشر اليوم أنواع عديدةٌ من السّجاد اليدوي ، أهمّها البُسط التّقليدية والسّجاد ذو ثلاثة أبعاد ، كمحاولةً من أصحاب هذه المهن لمنع اندثارها.