نوى /عمان /محمد السمهوري /واجه انتاج وتصوير الفيلم الفلسطيني (مغارة ماريا) لمخرجته بثينة كنعان الخوري، تحديات عديدة، من ابرزها مضمون الفيلم، الامر الذي ادى الى تصوير الفيلم على مدى ثلاث سنوات، حيث تعرضت الكاميرا للكسر، الى جانب معارضة شريحة اجتماعية للفيلم ومضمونه الانساني، وحين عرض لاول مرة في مدينة رام الله اثار جدل واسع، وصولا الى تهديدات تعرضت لها مخرجة الفيلم، فقد تناول الفيلم ضحايا جرائم الشرف، ويسجل للمخرجة بثينة الخوري ان فيلمها كان الاول الذي يتناول هذه الظاهرة التي عانت منها المرأة الفلسطينية والمجتمع الفلسطيني القابع تحت الاحتلال، ويعرض المرأة للعنف ومرات للقتل بدواعي الشرف، فالسطلة الفلسطينية وقبل اشهر الغت المادة التي تجيز الحكم المخفف عن مرتكبي جرائم الشرف، بعد احتجاجات عديدة اطلقها الناشطون في مجال حقوق المرأة في فلسطين، وكما تقول مخرجة الفيلم "المرأة الفلسطينية عانت نتيجة الاحتلال، الا ان وجودها داخل مجتمعها ضعيف، لدينا تناقض في مجتمعنا"، واضافت "حين تطالب المرأة بحقوقها تختلف الموازين، رغم انها ضد الاحتلال".
ودعت المخرجة الخوري المجتمع ببدأ حالة النقد من اجل الوصول الى التحرر الاجتماعي والانساني والسياسي "اؤمن بأن كل انسان جيد، لا أؤمن بالقتل او بعبارة العين بالعين، لأنها من فكرة شريعة الغاب، كنت اسمع وانا طفلة عن مغارة ماريا وبدأت البحث حين كبرت عن اصل القصة، فماريا راحت ضحية لجريمة الشرف ودفنت في المغارة التي حمل الفيلم اسمها، ومن المغارة بدأت بالبحث والتقصي عن النساء الضحايا لجرائم الشرف عند المسيحيين والمسلمين، فمعظم جرائم الشرف تتم بالسر، وللاسف الشديد لا يوجد احصائية محددة في هذا المجال".
وتقول المخرجة الفلسطينية ان العنف ضد المرأة شكل في السنوات الأخيرة ظاهرة ناقشها الإعلام العربي بشكل عام، والسينما بشكل خاص، وذلك مع اتساع رقعة حرية التعبير، وتكشّف حقائق وإحصائيات لم تكن معروفة من قبل، إحدى هذه الظواهر كان يرتبط بجرائم الشرف التي تنتشر بشكل واسع في دول العالم الثالث، وخاصة في الشرق الأوسط كالأردن، وسوريا، والأراضي الفلسطينية، بالإضافة إلى دول أخرى كباكستان، وأفغانستان وغيرها.
وتضيف في هذا السياق "لعل وضع الضفة الغربية وقطاع غزة شكّل حالة خاصة بالنسبة لهذه الظاهرة، حيث أنّ السّلطة الفلسطينية لا تمارس حريتها الكاملة على الأراضي، وبالتالي يختلط الأمر فيما يتعلق بواقع جرائم الشرف ما بين تطبيق القانون المدني والعشائري والقبلي السائد"، وتشير الخوري "ولحساسية الموضوع، لم تتم مناقشته إلا روائيا في الكتب والصحف".
المخرجة الفلسطينية بثينة كنعان خوري اخذت على عاتقها انتاج فيلما يقترب من ضحايا جرائم الشرف، ومناقشة هذا الأمر الحساس علنيا وسينمائيا، لتكون ثمرة ذلك فيلم وثائقي يحمل عنوان "مغارة ماريا".
الفيلم، الذي تبلغ مدته 52 دقيقة، يطلعنا على حكاية أربع نساء يواجهن ضغوطات المجتمع الذي يمنعهن من ممارسة حقهن في الحب والحلم، اثنتان من هذه الحالات كانتا ضحية لهذه الضغوطات، واثنتان لا زالتا تحاولان الصمود تحت وطأة القيود المفروضة، والتي لم تجد من يوقفها حتى الآن في مجتمع تسوده السيطرة الذكورية.
ويطرح الفيلم وجهة نظر النساء اللواتي يعانين ضغوطات المجتمع، وبالمقابل يتطرق لوجهة نظر الذكر الذي يسيطر على أفكار هذا المجتمع، ليقدمها في قالب متوازن يؤيد حق المرأة في الحب والحلم، ويحمّل التقاليد العشائرية والقبلية المسؤولية لكل ما يجري من جرائم ذات علاقة بالشرف.
وحول وجهتي النظر التي يحملها الفيلم، والرابط بين حرية المرأة في الحب وحريتها في الحلم، تقول بثينة كنعان خوري، مخرجة الفيلم، "يعتبر الشرف في المجتمعات العربية وخصوصا في المجتمع الفلسطيني أمرا متعدد المفاهيم، ولكنه بالنسبة للمرأة الفلسطينية يعتبر فرض قيود لا أكثر. فليس من الضروري أن يكون لدى الفتاة علاقة غرامية بشخص ما حتى تُتهم بتدنيس الشرف،. مما يشكل خطرا على حياتها، قد يؤدي إلى قتلها."
وتضيف خوري: "وأبسط مثال على ذلك هو (شخصية) عبير التي ظهرت في الفيلم، وطالبت بحقها في الغناء والظهور على خشبة المسرح، إلا أنها منعت من ذلك خوفا على حياتها"، ورغم عدم ممارسة السلطة الفلسطينية حقها الكامل في فرض سيطرتها على أراضيها وذلك لتدخل القوات الإسرائيلية، لم يظهر الوجود الإسرائيلي في الفيلم، ولربما كان ذلك أسلوب المخرجة في الإقرار بأن الاحتلال يجب ألا يكون الشمّاعة التي تعلّق عليها مشاكل الشعب الفلسطيني.
وتقول بثينة: "لقد نفذت الفيلم من منطلق إنساني بحت، وليس من منطلق سياسي أو ديني، فالفيلم تناول الموضوع من واقع عدم وجود الدولة الفلسطينية، حيث أن الشعب الفلسطيني يعاني من الاحتلال منذ وقت طويل، وبالطبع الاحتلال سيفرض وجوده في النهاية، فهو يضيف إلى الواقع الذي نعيشه، ولكن ليس من الضروري أن يكون هو الأساس في مشاكل جرائم الشرف."
وترى المخرجة خوري، التي تمتلك باعا طويلا في مجال الإخراج السينمائي، خصوصا فيما يتعلق بالمرأة، أن المجتمع العربي، وبالتحديد الفلسطيني، ناضج بما فيه الكفاية لتقبل هذا النوع من الموضوعات رغم حساسيته، وتقول: "الحافز الذي دفعني إلى تنفيذ هذا الفيلم هو خلق نقاش حول الموضوع بشكل مفتوح وعلني، فالفيلم عرض في منطقة رام الله ضمن فعاليات مهرجان القصبة السينمائي الدولي، لاقى استحسانا وقبولا من المتفرجين، وبالطبع خلق الحوار الطبيعي المتوقع بين الحضور، فكانت وجهات النظر واقعة بين مؤيد ومعارض للفكرة".
وترى خوري أن هذا النوع من الأفلام لا يسهم فقط في تحريك المياه الراكدة بشأن جرائم الشرف فحسب، بل إن إثارة هذا النوع من الموضوعات سينمائيا قد يؤثر على القرارات السياسية، التي من شأنها أن تغير في الوضع القانوني الراهن.
وتقول خوري: "أتمنى أن يكون هذا الفيلم بادرة خير في التأثير على القرارات التي يمكن أن تفرض إجراءات قانونية مستقبلية، لأنني أعتقد بأن الصراع الاجتماعي ملازم للصراع السياسي. فنحن كمجتمع فلسطيني لدينا مشاكلنا الخاصة، وأعتقد أن الوقت قد حان لطرح هذه المشاكل، لأن النقد الذاتي أمر مهم لخلق مجتمع صحي وديمقراطي."
ومن الحديث حول فيلم "مغارة ماريا"، انتقلت خوري لواقع السينما الفلسطينية والتجارب الحالية، حيث تقول: "السينما الوثائقية الفلسطينية تفرض وجودها بشكل كبير على الساحة السينمائية العالمية، بدليل أن هناك الكثير من الأفلام الفلسطينية التي تعرض في مهرجانات دولية حصلت على جوائز كثيرة."
وتضيف المخرجة خوري: " ولا يمكن أن نقول أن هناك صناعة سينمائية في فلسطين، بل هناك العديد من السينمائيين الذين حملوا الجهد وأثبتوا قدرتهم من خلال الأعمال التي نفذوها. فالوضع (السينمائي) في فلسطين بخير مقارنة بدول أخرى، خصوصا أن الوضع الفلسطيني يعتبر مميزا نظرا لظروف الاحتلال والضغوطات التي تمارس عليه."
ويذكر أن فيلم "مغارة ماريا" عرض مؤخرا في مهرجان دبي السينمائي الدولي في دورته الرابعة، وحاز على الجائزة الفضية في فئة الأفلام الوثائقية المشاركة في مسابقة المهر.
























