شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 25 اكتوبر 2026م10:48 بتوقيت القدس

النساء والحرب (8)

النساء واجترار الخوف والمعاناة

08 ديسمبر 2012 - 08:44
هداية شمعون
شبكة نوى، فلسطينيات:

 

تجتهد سماح كأي ام فلسطينية، لتوفر لأطفالها عالما من الراحة والحنان، وتبذل كل جهدها لأجلهم، محاولة خلق حياة هادئة لنفسها, إلا أن الحرب الإسرائيلية صدمتها وجعلتها تجتر آلاما ومواقف مفجعة. كيف لا؟ وهي الناجية من الحرب الأولى 2008 بأعجوبة, لتأتي الحرب الأخيرة على غزة, فتوقظ اوجاعا ومخاوفاً مضاعفة مرة أخرى..

تقول سماح وهي تتنهد بألم "صدمتي أساسا في الحرب الأولى، حين وقع الاجتياح البري ووصلت دبابات الاسرائيلية إلى باب عمارتنا في شارع الصناعة عند ملعب برشلونة، وأطلقوا قذائفهم على البيوت بشكل جنوني، ارتعشنا خوفا من أصواتها، واختبأنا و20 عائلة تقريبا في بير السلم للعمارة، وبقينا ما بين الانفجارات حتى الساعة السادسة صباحا، كان شعور مؤلم وصعب كثير، ثم عاد القصف بشكل جنوني فأطلقوا 7 قذائف في اتجاه بيوتنا، وأصابت الشقق بعضها فوق (...) أحد الجيران لم يتحمل كل هذا الخوف والرعب فأخذ ابنه وزوجته وحاولوا الهرب، وإحنا بنصرخ عليهم، وما ان أدار محرك سيارته، قصفوا سيارته بقذيفة إسرائيلية، وولعت فيهم وانهرنا كلنا وصارت معنا حالة هستيريا لم نتعافى منها إلى اليوم."

وتعطف سماح في حديثها عن العدوان الأخير على قطاع غزة فتقول:" وفي هذه الحرب نوفمبر 2012 بعد استشهاد الجعبري لم أكن أعلم بشيء، بالكاد عدت من عملي وأجهز الطعام للغذاء، فلا كهرباء عندي لولا اتصال من أختي أخبرتني أن هناك حربا، ونصحتني أن أترك شقتي لأنها تعرف ما مررت به من قبل، وأطفالي لازالوا بحاجة للرعاية من الصدمة التي تلقوها، حاولت أن أفهم ما يدور وشغلنا الموتور بسرعة، ولم نكد نفعل حتى هز البيت قصف عنيف جدا واهتزت كل العمارة بسبب انفجارات لصواريخ الطائرات الحربية F16 حيث استهدفوا بيت (أبو شباك) خلفنا بـ3 صواريخ مباشرة، وقع ابني في غرفته حين انكسر زجاج النافذة على ظهره، ووقعت كل نوافذ البيت وتفسخت الأبواب، هربنا بسرعة من البيت لنجد كل سكان العمارة بالخارج على باب الدرج وصرنا نجري.. لكن الطيران كان كثيف فاضطررنا أن نرجع للعمارة وخفنا أن يتم قصفنا في هذا الوقت المشتعل، بقينا وأربع عائلات على بير السلم، وطيلة الليل القصف كان مستمرا، ثم عادوا وقصفوا خلفنا مباشرة لم ننم طيلة الليل فالأطفال كانوا بصراخ وبكاء مستمر، ونحن الأمهات كنا نرتعد خوفا على أطفالنا وأزواجنا وشعرنا بالعجز من حماية أنفسنا وعجز الآخرين عن حمايتنا، وظللنا حتى الفجر فقط نتضرع إلى الله أن يحفظنا".

وتواصل" بعد انتهاء الحرب، أولادي حتى الآن، مرعوبين أصبحوا يكرهوا البيت الذي نسكن فيه ولا يريدون البقاء فيه، فلم يعودوا يشعروا بالأمان، فابنتي الصغيرة ذات الــ 6 سنوات تلتصق بي طيلة الوقت ولا تنام إلا وأنا بجوارها وتصرخ كثيرا في نومها."

وتكمل:" لم أعد أشعر بطعم للحياة، لقد صادروا منا حقنا في الحياة وفي العيش بأمان وكرامة، و ورثونا شعورا دائما بالعجز لحماية أنفسنا وأطفالنا، الحرب ليست اطلاق الصواريخ والقتل فقط، فنحن الأحياء بحاجة للدعم والتفريغ لا أن نلتصق فقط بكلمات الصمود دون حتى أن نتنفس ونبكي ونفرغ ما بداخلنا، أنا إنسانة ولي طموحاتي ولدي أسرة وأعمل كيف يمكن أن أواصل في كل هذه الدوائر دون أن أشعر بقليل من الراحة وأن هناك من يفهمني ويساعدني!؟؟."

سؤال كبير تركته سماح في نهاية حديثها للمؤسسات وللجهات المسؤولة والرسمية فهل من مجيب؟!

سماح ليست إلا نموذج لنساء فلسطينيات كثيرات يعشن في الحرب وخلال العدوان الإسرائيلي ينسين أنفسهن في سبيل الدفاع عن أسرهن وعائلاتهن، وحين تنتهي الحرب لا يبحث أحد على ما في قلوبهن، يهرع الإعلام إلى القتلى والجرحى والمدمرة بيوتهم، لكن القليلون من يلتفتون أن في كل بيت معاناة إنسانية تتمثل في الحالة النفسية والاجتماعية وانعكاسات العدوان الإسرائيلي المستمر عليها، إن آلاف النساء الفلسطينيات بحاجة للتفريغ والدعم النفسي والمعنوي، وعلى كافة الجهات والمؤسسات أن تتكاثف وتعمل ضمن رؤية أكثر عمقا وشمولية للتخفيف قدر المستطاع من آلام ومعاناة مجموع النساء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) كاتبة وإعلامية فلسطينية تقيم في قطاع غزة

 

كاريكاتـــــير