شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 25 اكتوبر 2026م10:49 بتوقيت القدس

عقار الموت الذي يلتهم مستقبل شباب غزة

06 ديسمبر 2012 - 22:03
محمد عثمان
شبكة نوى، فلسطينيات:
غزة - نوى:

يعمل بائع الترامادول أو الدكتور حسن، كما يحب أن يناديه زبائنه ببيع عقار الترامادول على الرغم من أنه ليس طبيبا ولا يمت لقطاع الصحة من قريب أو بعيد، لكنه أراد أن يُلقي بثوب الشرعية على جُرمه الذي لا يخشى من ارتكابه على الرغم من أن ابنه يعمل في مجال مكافحة المخدرات.

شهادات

“ع،س” أحد الشبان الذين تلوثوا في عالم المخدرات وأدمنوا على عقار الترامادول، أكد بأن “الدكتور حسن” يغضب اذا نادوه  ”حاف” دون لقب الدكتور، مضيفا :”هذا الرجل كبير في السن، ويعيش في منطقة قريبة جدا من الأنفاق الواقعة في مدينة رفح والتي تهرّب منها جميع أنواع الترامادول ، وبالتالي فهو سهل عليه الحصول على الترامادول وبيعنا اياه”

الطالبة في كلية الطب في جامعة الأزهر حنان القيق أكدت أنها أثناء تدريبها في احدى مستشفيات غزة استقبلت شابا ثلاثينيا مصابا بذبحة صدرية تبينَ بعدَ ذلك أنها سبب لتعاطيه 800 ملغم من الترامادول قبل اصابته بنصف ساعة.

وأضاف :” الجرعة الطبية التي تصرف لمرضى السرطان أو الأمراض شديدة الألم لا تزيد عن 50 ملغم يأخذها المريض في أربع مرات يوميا بحيث تصل نسبة الجرعات كاملة خلال اليوم إلى 200 ملغم فقط”.

أثناء تدربها أكدَ لها أحد الأطباء أنه استقبل خلال شهر واحد عشرين حالة تقريبا لشباب في العشرينيات والثلاثينيات من العمر جميعهم يتعاطون عقال الترامادول وجيمعهم يتناولون ما يقدر بـ400 ملغم يوميا.

الحالات التي تصل مستشفيات غزة وفق القيق هي مدمنه على عقار الترامادول فلا يمكن لإنسان صحيح أن يتناول 800 إلى 1000 ملغم يوميا قبلَ أن يكون تعود عليه خلال عام.

عقار سام

الترامادول هو احد المسكنات التي تستخدم للالام القوية والمتوسطة وبعض الامراض القوية، الا انه وفي قطاع غزة ساء استخدامه، بالاضافة الى وجود شبهات تحوم حوله من تهريب بعض الانواع منه التي تحتوي على بعض السموم كسم الفئران والهيروين وغيرها، وهذا ما يوضحه مدير العلاقات العامة والاعلام بشركة مكافحة المخدرات بغزة سعد الشيخ خليل :” الترامادول يوجد منه عقاراً طبياً مرخصاً من قبل وزارة الصحة ويُباع بالصيدليات تحت بند “روشيتة طبيب”، ويوجد نوع آخر منه وهو المهرّب الذي يأتي مُصنّع جاهز وفيه مادة الكوكايين وسم الفئران وبعض المواد التي تسيطر على الدماغ بشكل أو بآخر وتؤدي بمتعاطيه إلى الإدمان”

وأوضح الشيخ خليل الى أنه في الآونة الأخيرة انتشر الترامادول بشكل موسّع عبر سياسة ممنهجة، خاصة أن التجاّر يرسلون من خارج البلاد المادة بلا مقابل إلا بعد البيع، أي بعد أن يباع يتم إرسال ثمنه إليه ويأخذ المروجّ والبائع الربح، مضيفاً :”وإذا أُلقي القبض على المجرم لا يوجد أية إشكالية بذلك، يتم التفاهم على الموضوع ويستطيعون تغطية نفقته وتسيير أمور بيته”

وأشار إلى أن الأحكام على مروجي وتجّار الترامادول هي مخففة من وجهة نظره، مستدركا :”هناك تعديل للقانون وأُقر بالمجلس التشريعي، والآن هناك أحكام بدأت تصدر بالمحاكم بغزة 16 و14 عام للتجار الكبار، وأعتقد أن موضوع القضاء يعزز السجن والتمديد بالنيابة حتى وصل إلى أنه يعتقل الشخص ثلاثة شهور دون محاكمة”.

 تلك الاحكام المخففة، والانتشار الواسع الترامادول أدى الى توسع رقعة ونوعية الامراض التي يسببها، ففي بحث شارك على الإشراف عليه أخصائي القلب بمستشفى الشفاء بغزة د.علاء نعيم، وشاركت باعداده الطالبة في السنة السادسة بكلية الطب بجامعة الازهر حنان القيق، أثبت أن الترامادول يسبب امراض في القلب قد تكون نهايتها الموت، ويشرح د.نعيم :”من المعروف ان عقار الترامادول بانواعه يؤثر بشكل مباشر على الجهاز العصبي المركزي وجهاز الكلى، ولكن الغريب انه كان ملاحظ عندنا في غزة فقط وللمرة الاولى ولم يذكر بالمراجع العلمية من قبل انه يؤثر كذلك على القلب، وذلك ما لاحظناه بشكل كبير في عدة حالات تم ادخالهم الى وحدة القلب في العناية المركزة وغالبيتهم للاسف الشديد كانوا من صغار السن، اقل من 35 سنة تحديدا”.

تعاطيه نتيجة لضياع المستقبل..

 ويؤكد د.نعيم ومن خلال البحث أنه يؤثر الترامادول في ثلاث اقسام على نبضات القلب، مشيرا الى دخول وبشكل اسبوعي تقريبا عدة حالات وحدة القلب لاشخاص يعانون من رفة سواء اذينية او بطينية من النوع الخطير وذلك بعد تناول كميات كبيرة من الترامادول، وكذلك يؤثر على ضغط الدم باشكال مختلفة وأدخل عدة حالات الى قسم القلب او الباطنة على اثر ذلك، ولكن الشئ الاكثر جدلا والذي اثار اهتمامنا بشكل كبير انه ومنذ خمس شهور دخول حوالي عشرة مرضى اقل من 35 عام خلال شهر باحتشاء في عضلة القلب، جلطة حادة في القلب، ومنهم من توقف القلب عنده وتم انعاشه من خلال الصدمات الكهربائية عدة مرات واغلبهم اقل من 35 عام ومنهم حتى 22 و23 عام.

ويقول د.نعيم أنه من المعروف ان الجلطة تاتي لأشخاص هم في سن أكبر من ذلك، وحينما وجدنا انه دخلت عدة حالات سن مبكر، مضيفا :”والشئ الاغرب اننا قمنا بعمل قسطرة لهؤلاء المرضى وتبين عدم وجود انسداد في الشرايين التاجية نهائيا، فلا يوجد تصلب في الشرايين ولا الكوليسترول ولا أي عامل من عوامل الخطر التي تؤدي الى مشاكل الشرايين مما اثار انتباهنا ومنهم من قمنا بسؤاله بشكل مباشر ومنهم بعد فترة بعدما وجدنا القسطرة طبيعية وسألنهم بشكل ملح واستخدمنا عدة طرق ومنها تخويفهم بأن الدواء الذي سوف نعطيهم من الممكن ان يؤثر اذا كانوا قد تناولوا جرعات كبيرة من الترامال وفعلا العشرة جميعهم اعترفوا بتناول كميات كبيرة من الترامال 4 او 5 حبات وبعضهم وصل الى 10 حبات ما يعادل حوالي 1000 ملغ، واقل شخص منهم تناول 3 حبات أكثر من 500 ملغ، فذلك اثار انتباهنا”.

قانون قاصر

ومن جهة أخرى أكدَ الأخصائي للأمراض العصبية والنفسية وعلاج الأدمان د.إيهاب موسى أن من يتعاطون الترامادول في قاع غزة يعانون من تذبذب عاطفي ناهيك عن حالة الحرمان والحدة، وجميعها ناتجة عن الوضع السياسي في القطاع على عكس باقي المجتمعات العربية.

وقال :” في ظل الانقسام يجد الشاب نفسه في حالة ضبابية لا يجد من يرفع معنوياته المحبطة من ضياع مستقبله الأمر الذي يدفعه إلى الوقوع في فخ الإدمان”، مضيفا :” للأسف عدم وجود مراكز مخصصة لعلاج الادمان في القطاع جعل الشباب الذي يرغب في العلاج ينأى عن التفكير فيه، وذلك زاد المشكلة تعقيدا”.

من يتعاطى من 800 إلى 1000 ملغم من الترامادول يوميا هو ميت مع وقف التفيذ وفقَ ما أكدَ د.موسى الذي لامَ على الجهاز الأمني عدم وعيه لكبر المسألة، مطالب المجتمع المدني والأمني والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية بالتعاون للقضاء على ظاهرة تعاطي الترامادول في قطاع غزة.

المستشار القانوني ومنسق وحدة الدراسات في مركز الميزان لحقوق الإنسان د.عدنان الحجار أكدَ أن القانون الفلسطيني المستخدم في ردع المدمنين ومتاجري الترامادول قانون قاصر لا يرقى لمستوى الجرم.

وقال :”لا زلنا نحاسب المجرمين ومتعاطي الترامادول وفق قانون المخدرات الذي سن في عهد الحكم المصري لقطاع غزة عام 1962 وهو قانون قديم لا يشكل رادعا حقيقيا لمروجي عقار الموت”.

وأضاف :”يملك المتجرون أساليب حديثة ومتطورة لبيع تجارتهم وهذا ما تثبته الاحصاءات التي تتحدث عن رقم مدمنين خيالي يصل إلى ما يقدر بعشر قطاع غزة”.

ودعا د. الحجار إلى المشاركة المجتمعية في علاج ظاهرة الترامادول ناهيك عن تفعيل دور مراكز الشرطة والمؤسسات الشرطية بحيث يكون العلاج رادعا لهذه الظاهرة الاجتماعية المقلقة، وفق قوله.

كاريكاتـــــير