شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 25 اكتوبر 2026م13:33 بتوقيت القدس

كتب خالد جمعة

الإعلام وصورة الدم

05 ديسمبر 2012 - 08:30
خالد جمعة
شبكة نوى، فلسطينيات:

 

 

هناك ثلاث صور هزت العالم في القرن العشرين، إحداها لصبي يهودي وهو متجه نحوالمحرقة أثناء الحرب العالمية الثانية ونظرة الرعب في عينيه، والثانية لفتاةفيتنامية تركض عارية والنار تشتعل في ظهرها بعد قصف بيتها بقنبلة نابالم من قبلالقوات الأمريكية، والثالثة صورة محمد الدرة، ولو أخذنا عاملاً مشتركاً يجمع هذهالصور، لوجدنا أن جميع من في هذه الصور كانوا أحياء لحظة التقاط الصورة.

 

من البديهي أن الإنسان الواقع مباشرة تحت المعاناة، يثير التعاطف حين يكون حياًأكثر مما تثيره الجثة، لأن جثة أي إنسان تكون عمليا قد انتهى أمرها من الحياة،وبالتالي لا يمكن أن نفعل لها شيئا، بينما نحس برغبتنا الشديدة في القيام بمساعدةذلك الشخص المصاب أو المتعرض للخطر حين يكون ما يزال حياً.

 

إن تكرار صورة الدم على المدى المتوسط، تخلق حالة من التشبع، فيصبح المشهدمألوفاً وبحاجة إلى ما هو أكثر كي يحرك العواطف الإنسانية، وربما يكون في مشهد محمدالدرة وهو في حضن أبيه مثالاً واضحاً على ما أقول، ففي الأيام الأولى للحادثة، لميتمكن أحد من حبس دموعه حين شاهد محمد الدرة وهو يموت أمام الكاميرا، أما مع الوقت،فقد تحول محمد الدرة إلى مجرد مشهد لا يثير التعاطف، وهذا بسبب الزخم الذي عرضت فيهالصورة على مر الأيام والسنوات.

 

أما صورة فارس عودة، فلم ينتهي تأثيرها، رغم معرفة العالم بأن هذا الولدالفلسطيني قد استشهد في أحد المظاهرات، والسبب يرجع إلى أن عودة في الصورة حي،يواجه الدبابة، وموته يتركب في مخيلة أي شخص كما يرغب، وتخيل موت شخص، أصعب بكثيرمن رؤيته ميتاً، لأن رؤيته كميت تضع الخيال في إطار الصورة التي شاهدها العقلوينتهي الأمر، أما حين نسمع عن موته حتى بتفاصيله، فإننا ننسج الصورة التي تبقىأبداً في ذاكرتنا لأننا نحن من صنع هذه الصورة، ولذا فإن المَشاهد التي تحمل صورحذاء أو لعبة أو قطعة ملابسة بعد القصف لها تأثير أكبر بكثير من تأثير الجثة نفسهالأنها تساعد في تشكيل صورة من كان يستعملها قبل استشهاده.

 

في لندن مثلاً، يتم تدريس لقطة المصور زكريا أبو هربيد التي التقطها على بحر غزةلهدى غالية وهي تصرخ وتنادي أباها، العبقرية في لقطة زكريا، هي في تركه لكومة الجثثالتي قتلتها قذيفة البارجة الحربية، ومطاردة هدى "الحية" بالكاميرا، هذا خلقتأثيراً يشق القلب، لم يكن ليحدث بالطبع لو أنه توجه بالكاميرا نحو الجثث، فالجثثلن تذهب إلى أي مكان، ستنتظر إلى أن تعود لها الكاميرا، أما الحدث الحي فإنه يتغيروإن لم يتم توثيقه فسوف يذهب إلى الأبد ولن نتمكن من استعادته، وأنا شخصيا أعجببالمصور الذي يتجه إلى أم الشهيد وهي تبكي أو يصور ملامح الحزن على أفراد العائلةأكثر من ذلك الذي يتوجه إلى الجثة نفسها، وذلك بسبب فقدان الجثة للحياة، وفاقدالحياة لا يمكنه التأثير كالشخص الذي يتألم لهذا الفقد، هذه المقولة بحاجة إلىالتفكير فيها قليلاً كي نصل إلى فهم عمقها، إذ أننا دائما نذهب إلى الجنازات لتعزيةأهل الفقيد، لا لتعزيه الفقيد نفسه.

 

هناك قواعد للعبة الإعلامية، حتى في كيفية استغلال صور الضحايا، وأذكر أن بعضالصحفيين الفلسطينيين اتصلوا بمجموعة من صحافيي أوروبا المناصرين للقضية الفلسطينيةيوم استشهدت إيمان حجو، وسألوهم عن أفضل طريقة يمكن عرض مأساة أيمان فيها علىالإعلام، وبعد 24 ساعة، اتصل الصحفيون الأجانب، ليقولوا إن أفضل ما يمكن فعله هووجود أبي عمار جوار القبر ويحمل جسد الفتاة ويسلمها لأبيها في القبر، لكن حين عرضالأمر على أبي عمار، تذرع بالسبب الأمني ولم يشارك في الجنازة، وبعدها بشهرين، قتلولد يهودي من الخليل، وكان المشهد كالتالي: شارون بجوار القبر يسلم جثة الولد لمنسيدفنه.

 

إن الدم الفلسطيني المعروض في الصور الكثيرة هنا وهناك ومنذ أزمنة بعيدة، قد جعلالنتيجة المرجوة منه تأتي بصورة عكسية تماما، فقد فقدت عين العالم حساسيتها تجاهالدم من كثرة ما رأته، وأظن أننا نعرف جميعاً أننا نفقد طعم الأشياء حين نتناولهابكثرة، حتى حبيباتنا، نمل منهن بعد فترة إذا التصقن بنا 24 ساعة في اليوم، وهذا حالالدم في الصورة الفلسطينية الإعلامية، لقد تحول الدم الفلسطيني من قضية إلى عدد منليترات السائل الأحمر، ومعه تحول الشهيد الفلسطيني من قصة إلى رقم، مما ساهم كثيرافي تعتيم الصورة الحقيقية لما يحدث في فلسطين على مر الوقت.

 

شخصياً، لم أشاهد جثة واحدة عرضتها أمريكا لضحايا 11 سبتمبر، ولم أشاهد جثةعرضتها إسرائيل لأحد القتلى أيا كان السبب، لأن هذه الدول التي تملك إعلاماًمتقدما، تعرف أن عرض هذه الصور سوف يلغي مخيلة الناس، وسوف يجعل العين والإحساستعتادان الدم والموت مع الوقت مما يضعف القضية التي تعرض الصور من أجل خدمتها،  ويحد المشهد في المرئي لا في المتخيل، لذلك يتحدثون عن المأساة دون أن يبرزواصورها بالتفصيل، لأنهم يعرفون ما يفعلون.

 

وحتى في الحرب الأخيرة على غزة، فقد تبارى الصحفيون في التقاط الصور من هناوهناك للبشر المقطعة أشلائهم، كي يظهروا للعالم بشاعة إسرائيل "كما يظنون"، لكنهملا يعرفون أن السبب في وقوف العالم إلى جانب غزة أثناء الحرب كانت صور هروب الناسمن القصف وبكاء الأطفال في المستشفيات وهم مصابون من القذائف الإسرائيلية، وحتىصراخ الأمهات على أبنائهم الشهداء، هذا ما قاله أوروبيون كثيرون، فمن يظن أن صورالأشلاء المقطعة وصور الشهداء في الثلاجات هي ما جلب عطف العالم وتعاطفه مع سكانغزة أثناء الحرب، فليغير رأيه، أو على الأقل فليبدأ بمراجعة نفسه.

 

أظن أن الوعي بالمسألة الإعلامية، ومسألة الصورة على وجه الخصوص، عليه أن يكونأكثر دقة، فقد يخذل الصحفي قضيته من حيث يريد خدمتها، وهذا لا يأتي من عدم محبتهوولائه للقضية التي يعمل من أجلها، بل يأتي نتيجة اندفاع عاطفي تفرضه اللحظة، فهلمنكم من يعتبر أن من صور

كاريكاتـــــير