بهذا الموقف التاريخي الذي حققه الفلسطينيون في محفل الأمم المتحدة الدولي، يكونون قد سجلوا انتصاراً سياسياً كبيراً، يضاف إلى انتصار المقاومة الفلسطينية على إسرائيل وعدوانها في جولة حرب "خازوق السحاب".
يحق لنا في هاتين الواقعتين، أن نفرح ونطلق الزغاريد بالإنجازات التي أتمتها قياداتنا ومقاومتنا الفلسطينية، ذلك أن إسرائيل تحتاج إلى من يتعامل معها بسياسة "العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم"، ولم تكن هذه الإنجازات لتتحقق بالقوة لولا حبال إسرائيل الطويلة في الكذب والمراوغة في تحقيق السلام العادل.
في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ذهبنا إلى ميدان القتال والمقاومة المشروعة، لأن إسرائيل أرادت ذلك، وهي استخدمت ورقة العدوان من أجل تحسين وتحصين وضعها الداخلي، ولمنع الفلسطينيين من الذهاب إلى الأمم المتحدة سعياً وراء الحصول على دولة فلسطينية.
نتيجة العدوان نلاحظها الآن في هذا الحراك الإسرائيلي الحزبي، الذي أنتج معادلات جديدة على الساحة السياسية، بعد خروج أيهود باراك من ميدان السياسة، وتشكيل حزب جديد بقيادة "الكاديمية" السابقة تسيبي ليفني، وهذا يدل بما لا يقطع الشك، أن نتنياهو فشل بقوة في إدارة حكومته على الصعيدين السياسي والعسكري.
على الصعيد العسكري، العدوان الأخير على قطاع غزة، يؤكد أن إسرائيل لم تحقق أهدافها وأنها فشلت جولة هذا العدوان، وأما على الصعيد السياسي فيمكن القول إن تمسك نتنياهو في التفاوض بناءً على شروطه هو، أوقف هذه العملية، وأخرج الفلسطينيين من هذا المسار، في سبيل البحث عن مسار نضالي دبلوماسي جديد، يحقق لهم ما أفشلته مفاوضات نتنياهو.
بمعنى أن كل هذا الإصرار من قبل نتنياهو على التفاوض مع الفلسطينيين بناءً على سياسة تضييع الوقت وتمرير المخططات الاستيطانية غير المشروعة، دفع الجانب الفلسطيني إلى خلق ميدان للمواجهة مع إسرائيل عنوانه الأمم المتحدة.
ويدرك رئيس الحكومة الإسرائيلية بطبيعة الحال أن الجانب الفلسطيني لن يستكين عن مساعيه النضالية من أجل الارتقاء بمكانته في المحافل الدولية، وكان يمكن لشخص مثل نتنياهو أن يتدارك ويفرمل التوجه الفلسطيني الدبلوماسي الأخير بعد التوجه الأول في العام الماضي، لو أنه تنازل عن شروطه المجحفة من أجل استكمال التفاوض الثنائي مع الجانب الفلسطيني.
نعم هذا انتصار كبير للفلسطينيين في الأمم المتحدة، وصرخة قوية في وجه المحتل الإسرائيلي وفي وجه السياسة الأميركية، التي تتساوق طوال الوقت مع إسرائيل، ولم تغير مطلقاً من قناعتها بأهمية مساعدة الدولة العبرية وضمان أمنها وسلامتها، حتى على حساب الفلسطينيين.
القرار الذي انتزعه الفلسطينيون في معركة الأمم المتحدة، يضاف إلى سجلهم النضالي والمطلبي، فهذه الخطوة الهامة جعلتهم يتدرجون في اعتلاء السلم الأممي، وصولاً إلى مسعاهم الأهم المتصل بالحصول على دولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة.
هنا ينبغي أن نفهم ما هي الإضافة والإنجازات التي حصلنا عليها من وراء هذه المسعى؟ أولاً علينا التأكيد أن هذا الخيار في التوجه إلى الأمم المتحدة، هو حق مشروع للفلسطينيين، خصوصاً وأن اتفاق أوسلو كان يتحدث عن قيام الدولة الفلسطينية في العام 1999.
ثانياً: الاعتراف بفلسطين دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة، يعني أن إسرائيل هي المتسبب الرئيسي في فشل المفاوضات مع الجانب الفلسطيني، وأنها معاقبة من قبل عديد الدول التي صوتت لصالح فلسطين، وهذا يقود إلى زيادة العزلة الإسرائيلية في العالم.
ثالثاً: هذه الخطوة الفلسطينية تعزز من مبدأ حل الدولتين، خصوصاً وأن إسرائيل تشتغل بقضها وقضيضها من أجل إنهاء المشروع الفلسطيني المتمثل في إقامته دولته الفلسطينية، وهي تكرس وقائع يومية في ميدان الضفة الغربية والقدس الشرقية.
رابعاً: ارتقاء فلسطين في محفل النادي الدولي (الأمم المتحدة)، سيمكنها من خلق شراكات وتحالفات سياسية قوية، وسيعزز من هويتها السياسية، كما يساعدها على الانضمام إلى المنظمات والهيئات الدولة، مثل المحكمة الجنائية الدولية، وبالتالي سيدعم موقفها المشروع في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
خامساً: لقد وحد هذا المسعى الشعب الفلسطيني، فلم نسمع عن مواقف حزبية متعارضة، والأهم أن القيادة باتت قريبة من شعبها أكثر من أي وقت مضى، وربما هذا يشكل فرصة لإعادة الاعتبار للشخصية الفلسطينية الداخلية عبر مغادرة الانقسام وإعادة اللحمة بين كل الأطياف الفلسطينية.
الآن ما هو المطلوب؟ هذا سؤال مهم يرتبط في الأساس بأكثر من جانب، فأولاً يمكن القول إن إسرائيل ستنتقم من الفلسطينيين على هذه الخطوة، لكن برأينا أن الانتقام لن يؤدي في النهاية إلى إنهاء أوسلو، لأن إسرائيل تدرك مدى خطورة فتح مواجهة طويلة وصعبة مع الفلسطينيين.
إسرائيل ستتخذ خطوات متسارعة لتعميق وتأبيد الاستيطان، وستفتح النار اقتصادياً على الفلسطينيين من أجل إتعابهم ووضعهم تحت سياسة العقاب الجماعي، وخطواتها كلها بالتأكيد أحادية الجانب، وتستهدف منها التعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم سلطة فلسطينية لا أكثر.
ولعل أكبر صفعة مؤلمة في وجه إسرائيل، تتصل بإتمام أضلاع المربع الفلسطيني، ففي حين حققنا انتصاراً في ضلعين، فإن الضلع الثالث يحتم علينا لإنجازه، التوحد الداخلي الفوري، لأنه حتماً سيثبت أقدامنا في المعارك والمواجهات المقبلة مع إسرائيل.
وتحقيق الضلع الرابع يتطلب إطلاق انتفاضة فلسطينية سلمية، تستهدف الزحف الكامل والحشد المستمر لمعركة النضال المطلبي من أجل إسقاط الاحتلال وفضحه ووقف كل أذرعه الاستيطانية والعدوانية، طبعاً دون إسقاط حقنا المشروع في المقاومة المسلحة، دفاعاً عن أنفسنا وعن أرضنا.
هي في الأساس مقاومة سلمية من أجل المضي قدماً في إنهاء الاحتلال وكسب المعركة الدبلوماسية والانتصار مرةً أخرى في واقعة مجلس الأمن، عبر التحول الدولاني الحقيقي والكامل، ومرةً أخرى بدون التخلي عن السلاح من أجل حماية وصيانة حقوقنا الوطنية المشروعة.
هاتان الانتفاضتان اللتان ينبغي التعامل معهما بعقل مسؤول ومفتوح، واحدة في الداخل الفلسطيني، والأخرى انتفاضة خارجية نضالية دبلوماسية، تستهدف الارتقاء بالوضع الفلسطيني من دولة مراقب إلى دولة عضو بلحم ودم. ولذلك حتى تعود علينا هذه الانتصارات بالفائدة، لابد أن نشق طريقاً للوحدة، تصنع وتراكم من الإنجازات الوطنية.
وفي النهاية، لابد للتكتيك الفلسطيني أن ينسجم مع حركة المجتمع الدولي، والاختلال الفاضح والواضح في موازين القوى، الذي يقول إن الولايات المتحدة وإسرائيل ما تزالان تتمتعان بقوة وعافية، لكن علينا السعي لوضع استراتيجية طويلة المدى، لا تحرمنا في النهاية من حقنا في الحصول على الدولة الفلسطينية التاريخية التي نعرفها، من النهر إلى البحر.
























