شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 02 نوفمبر 2026م23:02 بتوقيت القدس

ترميم كراسٍ متحركة على وقع نقص قطع الغيار..

تتعطّل العجلات فتضيق الخيارات.. وتتسع حدود العجز

01 نوفمبر 2026 - 10:49

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

داخل ورشة صيانة الكراسي المتحركة والأدوات المساعدة في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، يقضي رمزي الفجم (49 عامًا) ساعات طويلة بين الأجهزة المعطلة، محاولًا إعادة كل كرسي إلى صاحبه صالحًا للاستخدام، رغم محدودية الإمكانات ونقص القطع.

يقول الفجم، فني صيانة الكراسي المتحركة والأدوات المساعدة: "أقضي ساعات طويلة داخل الورشة، بين الكراسي المتحركة والأجهزة المساعدة. بالنسبة إليّ، الأمر ليس مجرد إصلاح قطعة أو عجلة، وإنما مساعدة إنسان يحتاج إلى هذا الكرسي في علاجه وحركته وقضاء أبسط احتياجاته اليومية".

بدأ الفجم العمل في صيانة الأدوات المساعدة عام 1997م، واكتسب خلال سنوات عمله خبرة في التعامل مع أعطال مختلفة، لكن طبيعة المهمة تغيرت مع تفاقم نقص المستلزمات.

ويضيف: "نقص قطع الغيار والمعدات يجعلنا نبحث عن بدائل، ونحاول الاستفادة من القطع القديمة أو المتاحة لدينا حتى لا يبقى الكرسي متوقفًا. كما تتعرض الكراسي الحالية لأعطال متكررة، فنجد أنفسنا أمام أجهزة كثيرة تحتاج إلى الصيانة في وقت واحد".

ولا يتوقف احتياج الأشخاص ذوي الإعاقة في غزة عند توفير كرسي متحرك، فالحفاظ على صلاحيته للاستخدام لا يقل أهمية عن الحصول عليه. ومع نقص الكراسي وغياب قطع الغيار الأصلية وتعطل خدمات الصيانة، بات كثيرون يواجهون معركة يومية لإبقاء وسيلة حركتهم الوحيدة قيد العمل، مستعينين بقطع مستعملة وبدائل محلية وحلول مؤقتة، قد لا تضمن سلامتهم أو تلائم احتياجاتهم الجسدية.

عن تجربة

خبرة الفجم المهنية لا تنفصل عن تجربته الشخصية؛ إذ أصيب بشلل الأطفال في طفولته، ويعرف عن قرب ما يعنيه الاعتماد على وسيلة مساعدة للحركة. يقول: "أصبت بشلل الأطفال عندما كنت صغيرًا، ولذلك أشعر بمعاناة الأشخاص ذوي الإعاقة، وأعرف جيدًا ماذا يعني أن يعتمد الإنسان على كرسي متحرك في حركته. لهذا لم أشعر يومًا أن ما أفعله مجرد مهنة، فعندما أصلح كرسيًا ويستطيع صاحبه استخدامه من جديد، أشعر أنني قدمت له شيئًا مهمًا وأعدت إليه جزءًا من قدرته على الاعتماد على نفسه".

زادت الحرب، الحاجة إلى الكراسي المتحركة والأجهزة المساعدة، خصوصًا مع ارتفاع أعداد الجرحى الذين تعرضوا لإصابات أدت إلى إعاقات حركية.

وزادت الحرب، بحسب الفجم، الحاجة إلى الكراسي المتحركة والأجهزة المساعدة، خصوصًا مع ارتفاع أعداد الجرحى الذين تعرضوا لإصابات أدت إلى إعاقات حركية، فيما لم تواكب كميات الكراسي والمعدات وقطع الغيار التي دخلت القطاع حجم الاحتياج المتزايد.

ويقول: "الحرب ضاعفت الحاجة إلى الكراسي المتحركة والأجهزة المساعدة، خصوصًا مع العدد الكبير من الجرحى الذين تعرضوا لإصابات أدت إلى إعاقات حركية. وفي المقابل، تفاقمت المشكلة مع ندرة إدخال الكراسي والمعدات وقطع الغيار بالكميات المطلوبة".

ويشرح طبيعة الحلول التي يلجأ إليها الفنيون في ظل هذا النقص: "أكثر ما يرهقنا هو نقص قطع الغيار. ففي بعض الأحيان يكون العطل بسيطًا، لكن عدم توفر القطعة المناسبة يجعل إصلاحه معقدًا، فنضطر إلى البحث عن قطعة مشابهة أو تفكيك كرسي قديم للاستفادة من بعض أجزائه".

وبالنسبة إلى الفجم، فإن قيمة العمل لا تقاس بإصلاح الجهاز وحده، بل بما يستعيده صاحبه من قدرة على الحركة. ويؤكد: "الكرسي المتحرك ليس رفاهية لمن فقد القدرة على المشي، بل وسيلة أساسية للحياة والحركة. وعندما أصلحه وأعيده إلى صاحبه أشعر بسعادة عميقة؛ لأنني أعرف أنه سيساعده على الوصول إلى المستشفى أو عمله أو أسرته، والتنقل في واقع أنهكته الحرب والدمار".

أعطال صغيرة.. ومضاعفات صحية كبيرة

منذ عامين، يعيش تيسير ناجي (37 عامًا) مع إصابة في العمود الفقري، إثر قصف إسرائيلي استهدف منزلًا مجاورًا لمنزله في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، وأدى إلى إصابته بشلل نصفي. ومنذ ذلك الحين، أصبح الكرسي المتحرك وسيلته الأساسية للحركة، لكن تعطل أجزائه أو عدم ملاءمته لجسده يحوّل تنقله اليومي إلى معاناة مضاعفة.

يقول تيسير: "لم يعد الكرسي المتحرك بالنسبة إليّ وسيلة للحركة فحسب، بل أصبح عائقًا إضافيًا أمام حياتي اليومية. فعندما تتعطل إحدى عجلاته أو يكون المقعد غير مناسب لجسمي، يصبح التنقل لمسافات قصيرة أمرًا شاقًا ومؤلمًا، وأضطر إلى طلب مساعدة الآخرين في أمور كنت أستطيع القيام بها بنفسي. وأحيانًا أبقى في مكاني خوفًا من الخروج بكرسي غير آمن".

"قد يستغرق إصلاح الكرسي أيامًا أكون خلالها شبه عاجز عن الحركة. لذلك أضطر إلى إصلاحه بما هو متاح، حتى لو لم يكن الحل مثاليًا".

ولا ينتهي الأمر عند تعطل الكرسي، إذ تبدأ رحلة البحث عن قطعة بديلة، وقد تمتد أيامًا لا يستطيع خلالها استخدام وسيلته بصورة طبيعية.

ويزيد: "قد يستغرق إصلاح الكرسي أيامًا أكون خلالها شبه عاجز عن الحركة. لذلك أضطر إلى إصلاحه بما هو متاح، حتى لو لم يكن الحل مثاليًا؛ لأن الانتظار ليس خيارًا لمن يعتمد على الكرسي في تفاصيل حياته كلها".

ويحذر تيسير من أن استخدام كرسي غير ملائم أو يعاني أعطالًا لا يقتصر أثره على صعوبة التنقل، بل قد يعرّضه لمخاطر جسدية. ويقول: "الكرسي غير المناسب أو الذي يعاني أعطالًا يسبب لي آلامًا في الظهر والكتفين، ويزيد خطر السقوط. وقد يؤدي عطل بسيط إلى فقدان توازن الكرسي أو توقف إحدى عجلاته بشكل مفاجئ. والمشكلة أنني لا أملك دائمًا بديلًا، لذلك أضطر إلى استخدامه رغم الخطر".

ولا تقتصر مخاطر الكراسي المتهالكة على صعوبة الحركة والسقوط، بل قد تمتد إلى آلام مزمنة وتقرحات ضغط وتيبس المفاصل وتشوهات في العمود الفقري والحوض، خصوصًا لدى المصابين بإصابات الحبل الشوكي وفقدان الإحساس.

ويقول الدكتور فضل مسعود، رئيس قسم العلاج الطبيعي في مستشفى حمد للتأهيل والأطراف الصناعية بغزة: "استخدام كرسي متحرك مكسور أو غير ملائم لفترة طويلة قد يسبب آلامًا مزمنة في الظهر والرقبة والكتفين، وضعف العضلات وتيبس المفاصل، كما يزيد خطر الإصابة بتقرحات الضغط التي قد تتطور إلى التهابات خطيرة".

ويحذر من أن الإصلاحات المحلية في ظل غياب قطع الغيار الأصلية قد لا تضمن سلامة الكرسي وثباته، ما يعرض المستخدم للسقوط والإصابات، ويحد من قدرته على الوصول إلى العمل والتعليم والخدمات الصحية.

تشمل الأعطال الشائعة تلف الإطارات والمكابح والعجلات والهيكل والوسائد والمساند، وقد تؤدي إلى اختلال التوازن أو الجلوس في وضعيات خاطئة.

وتشمل الأعطال الشائعة تلف الإطارات والمكابح والعجلات والهيكل والوسائد والمساند، وقد تؤدي إلى اختلال التوازن أو الجلوس في وضعيات خاطئة، بما يزيد المضاعفات الصحية، خاصة لدى الأطفال والمصابين بالشلل الدماغي وإصابات الحبل الشوكي.

ويشدد مسعود على أن المطلوب ليس توفير أي كرسي، بل كرسي ملائم لحالة المستخدم ومقاسه واحتياجاته، قائلًا: "هناك حاجة ماسة إلى قطع غيار أصلية وصيانة دورية، وتدريب متخصصين على إصلاح الكراسي، وتوفير الوسائد والمساند الطبية، وإجراء تقييم مهني قبل تسليمها؛ فالحصول على كرسي آمن وملائم، مع إمكانية صيانته باستمرار، حق أساسي للأشخاص ذوي الإعاقة".

احتياج يتجاوز قدرة الصيانة المحلية

وقدّرت منظمة الصحة العالمية  (WHO)، في مايو/أيار 2026، وجود أكثر من 43 ألف شخص في غزة يعانون إصابات غيّرت حياتهم، نحو ربعهم من الأطفال، فيما يحتاج أكثر من 50 ألف شخص إلى إعادة تأهيل طويل الأمد، جراء إصابات تشمل البتر وإصابات الحبل الشوكي والحروق والدماغ.

ووفق أحدث تقديرات مجموعة الصحة التي أوردها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، يحتاج القطاع إلى أكثر من 20 ألف وسيلة مساعدة على الحركة، تشمل الكراسي المتحركة والمشايات والعكازات.

وكانت منظمة الصحة العالمية قد قدّرت، في ديسمبر/كانون الأول 2025، الاحتياج غير الملبى بـ32.835 وسيلة، فيما جرى تتبع توزيع 12.146 وسيلة فقط حتى مايو/أيار 2026، أي نحو ثلث الاحتياج المقدر.

وشملت الوسائل الموزعة بين يناير/كانون الثاني 2025 ومايو/أيار 2026 نحو 6,318 كرسيًا متحركًا، و3,506 عكازات، و1,564 مشاية، و758 عصا.

وتتفاقم الأزمة بفعل الدمار والظروف القاسية؛ إذ يقدّر OCHA أن العمر الافتراضي للكرسي المتحرك لدى المستخدم النشط يقل عن ثلاثة أشهر، ما يجعل الحاجة إلى الصيانة وقطع الغيار مستمرة. وفي المقابل، تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن معدات إعادة التأهيل لم تدخل غزة بين مايو/أيار 2024 و14 أبريل/نيسان 2026، رغم وجود شحنات معلقة تضم كراسي للبالغين والأطفال ومعدات تأهيل.

وبين نقص الأجهزة وغياب قطع الغيار، لا تتوقف الأزمة عند توفير الكرسي، بل تمتد إلى ضمان صلاحيته وأمانه. فوسيلة الحركة التي لا تتوافر لها الصيانة قد تتحول من أداة للاستقلال إلى مصدر خطر، ومن باب للحياة اليومية إلى قيد جديد على مستخدميها.

كاريكاتـــــير