شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 22 اكتوبر 2026م15:35 بتوقيت القدس

(5100) دونم تحت تهديد اعتداءات المستوطنين..

موسمٌ للخسارات.. في "بيت فوريك"

21 اكتوبر 2026 - 11:02

الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في سهل بيت فوريك، شرقي نابلس، تقف المزارعة أم نصر حنني أمام بقايا بيتها البلاستيكي، تتفقد المكان الذي كانت ترى فيه، قبل وقت قصير، شتلات البندورة تكبر يومًا بعد يوم، وتنتظر موسمًا أخضر يعوّض شيئًا من تعبها، ويسند أسرتها بمحصول وفير.

بصعوبة، جمعت أم نصر تكاليف إنشاء البيت البلاستيكي وزراعته، واستثمرت فيه جهدًا وأملًا بموسم تنتظر حصاده. كانت الشتلات تنمو أمام عينيها، وكل يوم تمضيه في الأرض يقرّبها من لحظة القطاف، قبل أن تستيقظ، قبل نحو شهر، على مشهد بدّد آمالها: بيت بلاستيكي مدمّر، ومحصول بندورة مقتلع بالكامل، وأدوات زراعية مسروقة.

لم يبقَ من الموسم الذي انتظرته سوى أرض مضطربة وبقايا هيكل بلاستيكي، وخسارة جديدة لا تعرف كيف ستتحمل كلفتها. تقول: "ما يؤلمني ليس الخسارة المادية وحدها، بل أن أرى تعبي كله يتبدد أمام عيني"، متسائلةً بيأس: "من سيعوضنا ويساندنا للبدء من جديد؟".

وعلى مساحة ثلاثة دونمات أخرى، يحاول المزارع ناصر زياد أبو عطيوي الحفاظ على مصدر رزقه، لكن الاعتداءات على أرضه تكررت للمرة الرابعة، في سلسلة من الخسائر التي تضيق معها فرص الاستمرار في الزراعة.

يقول أبو عطيوي: "المستوطنون اعتدوا على أرضي مرات عدة، وكنت أعود في كل مرة لإصلاح الأضرار، وإعادة ترتيب أرضي ومحصولي، ومحاولة استئناف العمل، رغم ما أتكبده من خسائر"، لكن الاعتداء الأخير كان أشد قسوة؛ إذ قُطعت خراطيم مياه الري وشتلات البندورة، ومُزّق البيت البلاستيكي، وسُرقت كشافات الكهرباء، قبل أن يُحرق البيت البلاستيكي في الاعتداء الأخير.

بالنسبة إلى ناصر، لا تتوقف الخسارة عند ثمن البلاستيك وخراطيم المياه والشتلات، فكل قطعة في البيت البلاستيكي جزء من رأس مال المزارع، وكل موسم يُجهض قبل حصاده يعني خسارة دخل كان يعوّل عليه، وأعباء مالية إضافية تجعل البدء من جديد أكثر صعوبة.

من جانبه، يقول مدير بلدية بيت فوريك، أحمد نصاصرة، في حديثه لـ"نوى": "إن الاعتداءات في محيط البلدة تصاعدت خلال العام الحالي، وطالت المزارعين وممتلكاتهم وطرق وصولهم إلى أراضيهم، بالتزامن مع توسع البؤر الاستيطانية في المناطق المحيطة".

ووصل التصعيد، وفق نصاصرة، إلى أحداث دامية في تموز/يوليو الماضي، حين اندلعت حرائق واسعة في سهل بيت فوريك، وأصيب عدد من المواطنين، قبل الإعلان عن استشهاد شابين، أحدهما في السادسة عشرة من عمره.

ويتابع: "لا نتحدث اليوم عن اعتداء منفرد، بل عن مشهد متسارع من البؤر والمواقع الاستيطانية التي تظهر في محيط أراضي البلدة. خلال الأيام الأخيرة، ظهرت بؤرة جديدة شرق بيت فوريك، فيما توجد بؤرة أخرى في منطقة طانا، وثالثة في منطقة تُعرف باسم جعوانة، إضافة إلى بؤرة في أراضي سالم أُنشئت قبل نحو عام، وتمتد باتجاه أراضي بيت فوريك وبيت دجن".

آلاف الدونمات تحت التهديد

يقدّر نصاصرة مساحة الأراضي المستهدفة بنحو 5100 دونم، موضحًا أنها مصنفة ضمن المنطقة "ب"، وتتعرّض لاعتداءات ينفذها مستوطنون بحماية جنود الاحتلال.

ويشير إلى أن المزارعين في هذه المنطقة يواجهون تهديدات متزايدة، لافتًا إلى أن البلدية تحاول دعم صمودهم من خلال مد شبكات الكهرباء والمياه، وتقديم التسهيلات المتعلقة بالتراخيص، بما يساعدهم على مواصلة استثمار أراضيهم وتفادي اضطرارهم إلى تركها.

"كان أفراد الطاقم في مهمة ضمن حدود المنطقة "ب"، ومع ذلك احتُجزوا نحو أربع ساعات، واعتُدي عليهم وعلى سياراتهم، وتعرّضوا للضرب".

ولا تقتصر الاعتداءات، بحسب نصاصرة، على المزارعين ومحاصيلهم؛ إذ يستذكر واقعة تعرّض فيها طاقم البلدية للاعتداء أثناء وجوده في المنطقة. ويقول: "كان أفراد الطاقم في مهمة ضمن حدود المنطقة "ب"، ومع ذلك احتُجزوا نحو أربع ساعات، واعتُدي عليهم وعلى سياراتهم، وتعرّضوا للضرب، ما أدى إلى إصابة بعضهم بكسور وجروح".

ورغم هذه الظروف، يؤكد نصاصرة أن البلدية تحاول إبقاء المواطنين على تماس مباشر مع أراضيهم، عادًا أن تثبيت المزارع في أرضه لا يعني تأمين مصدر رزقه فحسب، بل الحفاظ على وجوده فيها أيضًا.

معركة بقاء

في بيت فوريك، تتقاطع حكايتا أم نصر حنني وناصر أبو عطيوي مع حكايات مزارعين آخرين يواجهون اعتداءات تطال أراضيهم ومحاصيلهم ومنشآتهم الزراعية، فيما تحاول البلدية دعم بقائهم في المناطق المستهدفة عبر توفير الخدمات والبنية التحتية.

لكن بالنسبة إلى المزارعين، لا تختصر المشكلة في توفير المياه والكهرباء، ولا تنتهي عند إعادة بناء بيت بلاستيكي أو غرس شتلات جديدة؛ فكل محاولة لاستئناف الزراعة تظل معلّقة على القدرة على الوصول إلى الأرض والعمل فيها من دون خوف من اعتداء جديد.

الأرض التي تتطلب رعايةً يومية لتثمر، بات الوصول إليها محفوفًا بالمخاطر، وأصبح الحفاظ على الموسم الزراعي معركةً أخرى لا يضمن المزارع أن يصل بها إلى الحصاد.

كاريكاتـــــير