شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 16 سبتمبر 2026م12:40 بتوقيت القدس

طهي الطعام صار معضلة..

النار تلفُّ غزة.. و"القداحة" ضمن قائمة الأزمات!

16 سبتمبر 2026 - 11:29

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

بين أزقة سوق العطار في مدينة خانيونس، جنوبي قطاع غزة، يتنقل الشاب نضال زعرب من محلٍ إلى آخر، يسأل عن قدّاحة. يكرر السؤال عند هذا البائع وذاك، لكن الإجابة تتشابه في كل مرة: "مش موجودة".

لم يعد العثور على قدّاحة في غزة أمرًا عابرًا، فالأداة التي كانت تُشترى بثمن زهيد لا يتجاوز ربع دولار، أصبحت سلعة نادرة قد يصل سعر الواحدة منها إلى أكثر من 30 دولارًا، في مشهد يلخص اتساع دائرة النقص لتطال أبسط تفاصيل الحياة اليومية.

لم تقتصر تداعيات نقص الإمدادات على السلع الأساسية، إذ انعكست محدودية دخول الشاحنات إلى القطاع على احتياجات يومية تبدو هامشية، لكنها أصبحت ضرورية في ظل شح بدائل الطاقة.

ووفق آخر إحصائية تراكمية صادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي، بلغت أعداد الشاحنات الواصلة إلى غزة نحو (66,607) شاحنات، من أصل (189) ألف شاحنة كان يفترض دخولها، بعجز يتجاوز (64%) من الإمدادات اللازمة، ما أسهم في شح سلع عدة، بينها القدّاحات.

يقول أشرف أبو لطيفة، أحد بائعيها في مدينة غزة: "القدّاحات صارت نادرة جدًا، وأغلب الموجود في السوق مستعمل، وقطع مجمعة من بواقي القدّاحات القديمة".

ويوضح أن القدّاحات كانت تدخل إلى القطاع ضمن شحنات المواد التجارية المختلفة، لكن ارتفاع الرسوم الجمركية على هذه الشحنات أدى إلى تراجع كميات السلع الداخلة، ومنها القدّاحات، فلم تعد الكميات المتوفرة تغطي حاجة السوق.

ومع تراجع توفر القدّاحات الجديدة وارتفاع أسعار المتاح منها، وانعدام أعواد الثقاب التي كانت تستخدم بديلًا، وجد المواطنون أنفسهم مضطرين إلى مشاركة الأداة ذاتها.

تقول صابرين معمر "أم أحمد": "عشر عائلات في المخيم نتشارك قدّاحة واحدة، تنتقل بين جميع الخيام".

لم يعد التخلص من القدّاحة التالفة خيارًا سهلًا، إذ دفعت صعوبة استبدالها إلى اللجوء لإصلاحها، لتظهر مهنة مصلحي القدّاحات كحل.

ولم يعد التخلص من القدّاحة التالفة خيارًا سهلًا كما كان في السابق، إذ دفعت صعوبة استبدالها إلى اللجوء لإصلاحها، لتظهر مهنة مصلحي القدّاحات كحل لسلعة لم تعد بسيطة كما كانت.

وتقول أحلام حمدان "أم عمر"، وهي إحدى العاملات في الخَبز على فرن الطينة: "زمان كان الواحد يرمي القدّاحة إذا خربت ويشتري غيرها، اليوم نحاول أن نحافظ عليها بأي طريقة، لأن الحصول عليها صعب، وتعطل الحياة وتعطل رزقنا".

وتكشف أزمة القدّاحات عن أزمة أوسع تتصل بالطهي والطاقة، فمع شح غاز الطهي والأخشاب، يضطر المواطنون إلى البحث عن بدائل لإشعال النار، بينها الكرتون وبقايا أثاث المنازل المدمرة.

وأشارت وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية، في بيان لها بتاريخ 15 يوليو، إلى أن كميات غاز الطهي الداخلة إلى القطاع لا تتجاوز 20% من الاحتياج الفعلي للمواطنين.

وفي ظل هذا النقص، لم تعد القدّاحة مجرد أداة صغيرة، بل أصبحت وسيلة أساسية لإشعال النار للطهي وتسخين المياه.

ويقول الخبير الاقتصادي د. ماجد أبو دية: "القدّاحة تحولت من سلعة ثانوية إلى ضرورة أساسية، بسبب نقص غاز الطهي والكهرباء".

ويشير إلى أن محدودية الكميات الداخلة إلى القطاع، بالتزامن مع ارتفاع الطلب، أدت إلى ندرتها وارتفاع أسعارها، رغم التراجع الحاد في القدرة الشرائية للمواطنين، واصفًا ذلك بأنه "طلب اضطراري"، إذ يضطر المواطن إلى شرائها أو إصلاحها لعدم امتلاكه بديلًا عنها.

ولا ترتبط أزمة القدّاحات بنقص المعروض وحده، إذ يتحدث تجار عن عوامل أخرى تسهم في ارتفاع أسعارها.

يقول محمد الحصيني، أحد أصحاب المحال التجارية: "أزمة القدّاحات لها أسباب كثيرة، وهناك تجار كثيرون يستغلون الأزمة لاحتكار القدّاحة وتحقيق أرباح كبيرة".

ويوضح أنه حتى مع دخول كميات محدودة منها ضمن الشحنات التجارية الأخيرة، يتجنب أصحاب المحلات توفيرها بكميات كبيرة، في ظل ارتفاع أسعارها في سوق الجملة وارتفاع الرسوم الجمركية عليها، ما يدفع سعرها إلى مستويات تفوق القدرة الشرائية للمواطنين، لذلك يكتفي التجار بتوفير كميات قليلة منها.

بالنسبة إلى سميرة عمار، وهي أرملة ومعيلة لأسرتها، لا يتعلق الأمر بسلعة نادرة فحسب، بل بقدرتها على إعداد الطعام لأبنائها.

تقول: "طوال عمرها كانت القدّاحة من الأشياء البسيطة التي لا تُحسب لها ميزانية".

لكن ارتفاع سعرها وندرتها جعلا شراءها خارج قدرتها، فتضطر أحيانًا إلى تأجيل إعداد الطعام أو الاستعانة بأحد الجيران لإشعال النار، ثم تستخدم ورقة لتتمكن من إعداد الطعام لأبنائها.

تكشف قصة القدّاحة حجم التحول الذي أصاب تفاصيل الحياة اليومية في غزة؛ فأداة كانت تُشترى دون تفكير أصبحت سلعة نادرة، ويُحسب ثمنها ضمن ميزانية أسرة أنهكها نقص الاحتياجات الأساسية.

كاريكاتـــــير