الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"نريد أن نعيش بسلام، وأن تعود حياتنا إلى طبيعتها"، تقول عائشة عبد السلام، بصوتٍ بدا متماسكًا رغم التعب الذي تسلل إلى نبراته.
تتمسك عائشة بالأمل، وتتسلح وعائلتها بالصمود في منزلهم المقام على منطقة "رأس العين" في بلدة قصرة جنوب شرق نابلس، بعدما تحول إلى سجنٍ تحيط به قوات الاحتلال وقطعان المستوطنين من كل جانب.
على جبلٍ مرتفع تتربع فوقه منازل تبدو من بعيد هادئةً ورقيقة المشهد، حوّل الاحتلال ثلاثة منازل قائمة على قمته إلى سجنٍ مفتوح لأصحابها، البالغ عددهم عشرة أفراد، بينهم أطفال ومسنون، تتراجع أمام أعينهم مقومات الحياة يومًا بعد آخر.
اضطرت العائلات إلى الانكماش داخل منزلين، بعدما نصب المستوطنون، قبل نحو 22 يومًا، خيمةً أمام منزل لؤي أبو ريدة، وقطعوا الطريق المؤدية إلى المنازل، ثم قطعوا المياه والكهرباء، وبدأوا في مهاجمتها بصورة متواصلة.

وبعد أربعة أيام، حضرت قوات الاحتلال، واستولت على منزل عائلة يوسف عبد السلام وحولته إلى ثكنة عسكرية، وأجبرت أفراد العائلة على الانتقال إلى منزل أبو ريدة، ليصبح منزلًا واحدًا مأوى لعائلتين فرّق الحصار بين غرفهما، كما فرّق بين أفراد الأسرة الواحدة.
تقول عائشة: "نحن في المنزل الثاني المحاصر، أنا وأمي وأخي، وأعمارنا بين 30 و56 عامًا. نعيش وضعًا صعبًا للغاية. مرت علينا لحظات مرعبة بسبب اعتداءات المستوطنين، ولا توجد لدينا ثلاجة ولا غاز. نشرب المياه ساخنة، ونراقب ما تبقى لدينا من طعام، ونعرف أن مصيره التلف خلال أيام".
ولم تصل إلى العائلات المحاصرة، بحسب إفادتها، سوى منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف"، بعد تنسيق مسبق، لتزويدها ببعض الاحتياجات، من الخبز وبعض الغذاء والدواء.
أما بقية مستلزمات الحياة الأساسية فأصبحت -تؤكد- معضلةً يومية، غير أن ما يثقل عليهم أكثر من نقص الطعام والماء هو ذلك الشعور بالعزلة التامة.

تضيف عائشة: "من أصعب الأشياء التي مرت علينا تلك اللحظات التي نسمع فيها بكاء بنات شقيقي في المنزل المحاصر المجاور. يردن الوصول إلى جدتهن في المنزل الذي نحاصر نحن فيه، ولا يستطعن. وأمي تنظر إليهن من النافذة بحسرة".
وتكمل عائشة: "رُزقت العائلة بحفيدة كانت والدتي تنتظرها منذ 36 عامًا، لكنها حُرمت من تلك الفرحة، ورأتها عبر الهاتف. كان شعورًا صعبًا جدًا عليها وعلينا".
ولم تعد العائلة تعرف معنى الاجتماع الكامل كما عرفته من قبل. تضيف: "لم تجتمع عائلتنا كاملة منذ ثمانية أشهر، حتى في الأعياد. نفتقد فردًا أو فردين، لأنهم يبقون في المنزل لحراسته. أصبحت أمنياتنا أن نجتمع بأمان".
أما يوسف عبد السلام، شقيق عائشة وأول سكان المنطقة، فقد كان الأكثر تعرضًا لاعتداءات المستوطنين، قبل أن تأتي عائلة أبو ريدة، التي تضم لؤي وقصي وابنه أحمد، للسكن في منزلهم على الجبل، في محاولة لحمايته من هجمات المستوطنين ومحاولات السيطرة عليه.

لكن ما يشغل يوسف أكثر من كل شيء، هما طفلتا شقيقه الصغيرتان، كندة ونور، البالغتان من العمر عامين ونصف العام وأربع سنوات ونصف العام.
ويشرح أن وجودهما تحت الحصار يمثل التحدي الأكبر له ولزوجته، خصوصًا في كيفية تكييفهما مع واقعٍ يفرض الخوف عليهما كل يوم، فيما لا يفارقه سؤال آخر: كيف ستصل ابنته إلى الروضة في أول عام دراسي لها، وقد اقترب موعد بدء الدراسة؟
وبينما يحاول يوسف أن يجد في التفاصيل اليومية ما يسند طفلتين صغيرتين في واقعٍ لا يشبه عمرهما، تعيش زوجته رقية هاجسًا آخر: أن يطول الحصار أكثر.
تلفت رقية إلى خشيتها من استمرار الحصار فترة أطول، في وقت يدعي فيه الاحتلال السيطرة على منزلهم بهدف طرد المستوطنين من المنطقة، لكن المشاهد اليومية -كما تقول- تكشف شيئًا مختلفًا، إذ يترك جنود الاحتلال للمستوطنين حرية الحركة داخل منزل عبد السلام وفي محيطه دون اعتراض.
تقول بحسرة: "المستوطنون يعيشون بحرية في أراضينا ومنازلنا أكثر منا نحن أصحابها".
الوادي: "إيصال الدواء أو ربطة خبز للعائلات المحاصرة يتطلب عمليات تنسيق طويلة مع "الارتباط" والمنظمات الدولية، مثل اليونيسف، تستغرق بين 30 و35 ساعة".
في الطرف الآخر من المشهد، يحاول رئيس مجلس قصرة عبد العظيم الوادي كسر الحلقة التي ضاقت حول العائلات.
ويؤكد استمرار الجهود لإدخال أبسط الاحتياجات الأساسية، موضحًا أن إيصال الدواء أو ربطة خبز للعائلات المحاصرة يتطلب عمليات تنسيق طويلة مع "الارتباط" والمنظمات الدولية، مثل اليونيسف، تستغرق بين 30 و35 ساعة، في ظل استمرار منع دخول صهاريج المياه.
ولا يرى الوادي في الحصار واقعًا مؤقتًا فحسب، بل يبدي مخاوفه من أن يتحول إلى أمر واقع جديد في البلدة، عبر فرض حصار عسكري وأمني على جبل رأس العين، الذي يعد المتنفس الأخير لقصرة وامتدادها الطبيعي.
يعقب: "يمتد الحصار منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، وطال أكثر من 12 منزلًا قيد الإنشاء، والعديد من الورش والمصانع التي هُجّر عمالها وأُعلنت مناطق عسكرية مغلقة. وهناك مخاوف حقيقية من تعميم هذا النموذج على باقي القرى الفلسطينية".
يشكل استهداف جبل رأس العين قضم نحو 300 دونم إضافية، كانت تعد الأهم من ناحية الاستثمار لشباب البلدة ومستقبلهم.
ويربط الوادي ما يجري في رأس العين بمخطط استيطاني يستهدف امتداد البلدة الطبيعي وأراضيها الاستثمارية، "فبعد السيطرة الكاملة على مناطق (C)، تراجعت المساحة المتاحة للأهالي من 9200 دونم إلى 3300 دونم فقط، فيما يشكل استهداف جبل رأس العين قضم نحو 300 دونم إضافية، كانت تعد الأهم من ناحية الاستثمار لشباب البلدة ومستقبلهم".
ولا يقف ثمن الحصار عند الأرض. يضيف الوادي: "أهالي بلدة قصرة دفعوا فاتورة ثقيلة من التضحيات والخسائر"، شملت ارتقاء 11 شهيدًا، وحرق مسجد النورين ومسجد الشهداء، و47 منزلًا ومحلًا تجاريًا وسيارة، وتجريف أشجار الزيتون الرومانية المعمرة، واعتقال أكثر من 40 مواطنًا.
ويضاف إلى ذلك الإغلاق المستمر للبوابة الرئيسة منذ 12 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى اليوم، الأمر الذي أجبر الأهالي والطلاب والحالات المرضية على استخدام طرق بديلة وطويلة، لتجد البلدة نفسها في حلقة ضيقة من الحصار والتنكيل المتواصل.
يقول الوادي: "توجب علينا العمل بما نستطيع لكسر الحصار وحماية البلدة من هذه الهجمات".
في رأس العين، لا تبدو المسافة بين منزلين كبيرة على الخريطة، لكنها تصبح، تحت الحصار، مسافةً تعجز عنها طفلة تريد الوصول إلى جدتها، وأمّ لا تستطيع احتضان حفيدتها، وعائلة لم تعد قادرة على أن تجتمع في عيد.
























