غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
كل ما حلمت به ردينة المصري، بعد تدمير الاحتلال منزلها شمالي مدينة غزة، خيمةً تقيها وأطفالها الأيتام برد النزوح وحرّه، ومكانًا لا يطالبهم أحد بمغادرته كلما تبدلت خريطة الحرب.
ولمّا وضعت اللبنة الأولى لمخيمٍ خُصص للأرامل غربي المدينة بدعمٍ من متبرع، ظنت أنها وأخيرًا ستستقر، لكن في غزة.. بعض وعود النجاة لا تكتمل حكايتها حتى النهاية.
بعد ثلاثة أشهر من دعم المخيم، توقف المتبرع عن إرسال الكفالات، وانسحب من مسؤولياته، لتجد (55) أرملة أنفسهن أمام صدمةٍ كبيرة: صاحب الأرض يطالبهن بنحو 150 ألف شيكل بدل إيجار للمكان الذي نُصبت عليه خيامهن، وبواقع 200 شيكل شهريًا عن كل خيمة.

هكذا، لم يعد خوف ردينة مقتصرًا على انعدام المأوى بعد فقدانها بيتها وحسب، فقد صار عليها أن تخشى فقدان الخيمة أيضًا.
تقول لـ"نوى" بحسرة: "تخلّى عنّا المتبرع الذي شيّد مخيم الأيتام بعد أن جمع التبرعات من مناشداتنا، وها أنا مطالبة بدفع 200 شيكل شهريًا ثمن إيجار، حتى لا أُطرد أنا وأطفالي الأيتام".
وشُيد المخيم بدعمٍ من جمعية عرفت نفسها بأنها تركية، ويرأسها شخص تركي الجنسية، تولى جمع التبرعات للمخيم بعدما وثّق بالفيديو أوضاع النساء داخله، ونشرها على حسابه على "تيك توك" وموقع الجمعية الإلكتروني.
لكن الداعم انسحب بعد ثلاثة شهور فقط، تاركًا النساء أمام مسؤوليات المخيم، وفي مقدمتها إيجار الأرض المقام عليها، الذي يصل إلى نحو 150 ألف شيكل، فيما أخذ الاستقرار الهش الذي وجدته الأرامل يتصدع شيئًا فشيئًا.
"قصف الاحتلال المنزل الذي كانا فيه بأربعة صواريخ، نجا زوج شقيقته ونقل زوجي للمستشفى، وهناك هاتفني الأول ليخبرني باستشهاده".
ولم تكن حكاية ردينة قد بدأت من هنا، فمنذ الأيام الأولى للحرب، كانت تنقل أبناءها من مكان إلى آخر، تحمل معهم ما استطاعت من ثياب وفراش، وتترك خلفها في كل نزوح شيئًا من حياتها، حتى لم يبقَ معها أحيانًا إلا ما يكفي يومها فقط.
نزحت من بيت حانون شمالًا إلى النصيرات وسط قطاع غزة، وفي الرابع من نوفمبر 2023م، خرج زوجها برفقة زوج شقيقته من المدرسة التي لجأت إليها الأسرة، واتجها صوب منزل قريب، بعدما فرض الاحتلال الإسرائيلي حصارًا على المنطقة استمر عدة أيام، وانقطعت المياه عن النازحين/ات الذين ظلوا ليومين كاملين دون مياه للشرب.
تروي ردينة تفاصيل ذلك اليوم، بينما تجلس على باب خيمتها وتحاول أن تلتقط بعض الهواء وسط حر أغسطس الذي لا يرحم. تقول: "قصف الاحتلال المنزل الذي كانا فيه بأربعة صواريخ، نجا زوج شقيقته ونقل زوجي للمستشفى، وهناك هاتفني الأول ليخبرني باستشهاده".

تضغط عينيها وهي تحاول إبعاد صورته في الكفن عن ذاكرتها، وتكمل وهي تبكي: "خرجتُ ركضًا نحو المستشفى وسط الخطر، كنت في حالة صدمة ولم أستطع تصديق ما حدث".
منذ تلك اللحظة، تغير كل شيء.. لم تعد ردينة زوجة تنتظر عودة رجلٍ خرج ليبحث عن الماء أو مأوى أكثر أمانًا، بل أصبحت أمًا عليها أن تحمل وحدها ثلاثة أطفال فقدوا أباهم، وأرملة فقدت المعيل والسند، خصوصًا أنه كان عاملًا باليومية.
بقيت ردينة وصغارها في المدرسة حتى اتفاق الهدنة أواخر نوفمبر 2023م، حين حضرت أمها من رفح واصطحبتها معها، ثم عادت رحلة النزوح من جديد، متنقلة مع عائلتها بين دير البلح وخانيونس.
وفي كل مرة كانت تحمل معها القليل وتترك الكثير.. لم تستطع أن تأخذ جميع أغراضها، فكانت تترك الملابس والفراش وما لا تستطيع حمله، وتحتفظ بما تراه ضروريًا.
"المجاعة كانت واحدة من أقسى تجارب حياتي. مرّت على جسدي وأجساد أطفالي بقسوة. كانت تمر علينا أيام لا نأكل، وأحيانًا رغيف صغير لكل واحد".
وعندما عادت إلى بيت حانون بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار الأول، أقامت في خيمة تبرع بها أحدهم، لكنها لم تلبث أن تلقت طلبًا بإعادتها مع عودة النزوح بعد انهيار الهدنة في مارس 2025م.
حملت يومها بعض الملابس، ووعاء للمياه، ودلوًا لقضاء الحاجة، ثم مضت، ولاحقًا حصلت على خيمة جديدة تبرع بها فاعل خير، بعدما نشر شخص مناشدتها على فيسبوك.
نزحت بها إلى دير البلح، قبل أن تعود مرة أخرى إلى غزة، وتنتهي بها الرحلة في مخيمٍ شمال غربي المدينة.
تقول: "المجاعة كانت واحدة من أقسى تجارب حياتي. مرّت على جسدي وأجساد أطفالي بقسوة. كانت تمر علينا أيام لا نأكل، وأحيانًا رغيف صغير لكل واحد".
وتزيد: "حينها وصل سعر كيلو الدقيق إلى 150 شيكلًا، ولم أستطع شراء شيء لصغاري. كانت خالتي القريبة من المكان تطهو العدس يوميًا وترسل لي طبقًا، وعليه أعيش أنا وصغاري".
عندما افتُتح مخيم الأرامل، وجدت ردينة فيه شيئًا يشبه الفرصة. مكانًا يجمعها بنساء يحملن الوجع نفسه، ومساعدات يمكن أن تعينها على إعالة أطفالها.
وحين أُجبر سكان قطاع غزة على التوجه إلى ما أسمته "مراكز الموت" للحصول على المساعدات الإنسانية، اضطرت ردينة إلى السماح لطفلها محمد (13 عامًا) بالذهاب مع صديق والده إلى "زيكيم"، حيث عاد الطفل بكيلو من الدقيق، وآخر من الأرز، وعلبة زيت طهي، وسكر، وأشياء أخرى، "لكن هذا كله لم يساوي أبدًا لحظات الخوف التي عشتها عليه".
تضغط ردينة بيدها على قلبها وهي تستعيد المشهد: "رغم أن صديق والده لم يعرضه للخطر، فقد طلب منه الجلوس بعيدًا إلى جانب السلع التي يحصل عليها، لكن خوفي عليه وخطورة المكان والمشاهد المرعبة جعلتني أمنعه من الذهاب مجددًا حتى لو متنا جوعًا".
وعندما افتُتح مخيم الأرامل، وجدت ردينة فيه شيئًا يشبه الفرصة. مكانًا يجمعها بنساء يحملن الوجع نفسه، ومساعدات يمكن أن تعينها على إعالة أطفالها، في وقتٍ كانت فيه عائلتها نفسها تعاني ضيق الحال، وحتى والدا زوجها مسنان ويحتاجان إلى من يعولهما.
لا تطلب ردينة أكثر من أن تظل خيمتها في مكانها، وأن يكبر أطفالها بعيدًا عن سؤال جديد لا يعرفون كيف يجيبون عنه "إلى أين نذهب إذا طُلب منا الرحيل؟".
في الأشهر الثلاثة الأولى، بدا الأمر مختلفًا، "إذ كان الدعم يصل، وكانت المساعدات تخفف شيئًا من ثقل الأيام، لكن ذلك لم يدم طويلًا" تقول.
توضح ردينة ذلك بالقول: "في الشهور الثلاثة الأولى كان الدعم جيدًا، وكان الداعم يساعد المخيم، لكنه تخلى عنا رغم أننا قمنا بالتصوير ونشر مناشداتنا، لكنه توقف عن إرسال أي كفالة، حتى إيجار الأرض الذي أصبحنا مطالبين به".
الآن، تقف الأرامل أمام عبء جديد، فعليهن إعالة أطفالهن، وتدبير الطعام والدواء والماء، وفي الوقت نفسه تأمين إيجار الأرض التي نُصبت فوقها الخيام.
بعضهن يحاولن تدبير المال من بيع الطرود الغذائية، كما تفعل ردينة، وبعضهن يعتمدن على ما يصلهن من تبرعات متفرقة.
تقول ردينة: "مبلغ 200 شيكل شهريًا يفوق قدرتنا، ونحن لا نعمل أصلًا ولا يوجد مصدر دخل لنا. إننا أمام خيارات صعبة، هل نشتري طعامًا، أم دواء، أم نلبي رغبة أطفالنا في شراء بعض الفواكه والحاجيات وهي فوق قدرتنا"، مشيرةً إلى أن أذنها تؤلمها منذ أيام، وحتى الآن لم تتمكن من الذهاب إلى الطبيب.
لا تطلب ردينة أكثر من أن تظل خيمتها في مكانها، وأن يكبر أطفالها بعيدًا عن سؤال جديد لا يعرفون كيف يجيبون عنه "إلى أين نذهب إذا طُلب منا الرحيل؟".
تقول وهي تنظر إلى خيمتها، وخيام الأرامل الملاصقة: "كل ما نريده أن نعيش بكرامة، ولا نجد أنفسنا في الشارع".
























