شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 12 اعسطس 2026م20:20 بتوقيت القدس

سلة غذاء "رام الله" في مرمى الاستيطان..

في عين الزرقا.. "البقاء" معركة!

12 اعسطس 2026 - 09:30

الضفة الغربية- شبكة نوى- فلسطينيات:

كلما سمع إسلام أبو زيادة صوت سيارة تقترب من أرضه، رفع رأسه ليتبين القادم. لم يعد أي صوتٍ عابرًا بالنسبة له، فقد يكون تمهيدًا لهجومٍ مباغت ينفذه مستوطنون، أو لخسارة جديدة لا يعرف كيف سيمنعها.

 ينظر أبو محمود إلى أرضه، إلى مزروعاتها وشبكات مياهها ومواشيها، ثم يقول بقلق: "ما حد عارف وين رح توصل فينا الأمور".

اليوم، صار للمكان صوتٌ آخر: اعتداءاتٌ تتوالى، ومستوطنون يتجولون في الأرض، ومزارعون يترقبون ما قد يحدث في الساعة التالية.

في عين الزرقا، غربي رام الله، باتت اعتداءات المستوطنين "لحظية" حسب تعبير أبو زيادة، وليست يومية كما يجري الحديث إعلاميًا. "في كل لحظة وفي أي وقت، ومن الممكن أن تتجدد بعد انتصاف الليل، أو في ساعات الصباح الباكرة. ليس لها وقت معين أو مناسبة، وتحدث في كل الأوقات".

قبل أن يصل هذا الخوف إلى الأرض، كانت عين الزرقا تعرف حياةً أخرى. كانت مياه ينابيعها تشق طريقها بين السهول والوديان، وتروي الخضراوات والأشجار، وتترك وراءها رائحة التراب والنعناع البري والميرمية، فيما تتوزع الحقول على امتداد المكان الذي عرفه أهله باسم "سلة غذاء رام الله".

اليوم، صار للمكان صوتٌ آخر: اعتداءاتٌ تتوالى، ومستوطنون يتجولون في الأرض، ومزارعون يترقبون ما قد يحدث في الساعة التالية.

وبحسب أبو زيادة، تشمل الاعتداءات الاستفزاز المباشر للمزارعين، والاعتداء الجسدي عليهم، وتحطيم مركباتهم، وتخريب لوحات وشبكات الكهرباء والمياه الخاصة بهم، وإتلاف المزروعات وتمزيق البيوت البلاستيكية، وتخريب كل ما تصل إليه أيدي المستوطنين من ممتلكات، "تحت حماية جنود الجيش الإسرائيلي، الذين يوفرون لهم الغطاء والحماية" يضيف.

قبل أيام، كان الدور على أبو زيادة نفسه. هاجمه مستوطنون وسرقوا محفظته بما فيها من نقود وهويته الشخصية، ولم تكن تلك الحادثة وحدها ما يحسبه الرجل في خسائره، فهو يعتمد إلى جانب الزراعة على تربية الماشية التي لم تسلم من الاعتداءات.

ويقدر الرجل خسائره المادية بما لا يقل عن ثمانية آلاف شيكل، مؤكدًا أن الأمور أخذت منحى أكثر خطورة منذ إقامة بؤرة استيطانية مؤخرًا في المنطقة، "بتنا نتعرض لسلسلة لا تنتهي من المضايقات ومحاولات الطرد والتهجير".

ولا يبدو أبو زيادة، رغم ذلك، مستعدًا لمغادرة أرضه، فهو من أكثر المزارعين تمسكًا بالبقاء فيها، كما يصفه رئيس المجلس القروي لبيتللو نصر رضوان.

في عين الزرقا أكثر من 100 نبع مياه، وتمتاز بأنها سياحية وزراعية، وتتوسط عدة قرى: بيتلو، جمالا، دير عمار، مخيم دير عمار، دير أبو مشعل، ودير نظام.

وتقع عين الزرقا غرب بيتللو، وفيها أكثر من 100 نبع مياه، وتعد السلة الغذائية لمنطقة غربي رام الله، وتمتاز بأنها سياحية وزراعية، وتتوسط عدة قرى: بيتلو، جمالا، دير عمار، مخيم دير عمار، دير أبو مشعل، ودير نظام".

هذه العين، التي تتوزع ينابيعها بين القرى، تقع اليوم في قلب مطامع استيطانية متصاعدة، فمنذ بداية شهر حزيران الماضي، أقام المستوطنون بؤرة على جبل يسمى "بطن الحيان"، يتوسط المنطقة الواقعة ضمن ثمانية آلاف دونم من أراضي القرى المذكورة، وهي مناطق مصنفة "ب". ويشير رضوان إلى أن البؤرة تقع أيضًا داخل حدود المخطط الهيكلي والتنظيمي لقرية بيتلو، ومنذ ذلك الوقت، لم تعد الاعتداءات حالات متفرقة.

يروي رضوان قصة أحد المزارعين وكان يملك أكثر من خمسة دونمات مزروعة باليقطين، وكان يرفد حسبة رام الله بإنتاج مزرعته. اليوم، لا ينتج المزارع شيئًا، دمرت مزرعته بالكامل، بما فيها من شبكات وعيون ماء وخزانات وقنوات.

وليس هذا المزارع وحده، فأكثر من 120 مزارعًا يعتمدون على عين الزرقا بصورة أساسية في معيشتهم، ومع تواصل الاعتداءات، أصبح هؤلاء مهددين بفقدان مصدر رزقهم، فيما تتسع دائرة المتضررين لتشمل أفراد عائلاتهم وكل من يعتمد على ما تنتجه الأرض.

لكن رضوان يعود إلى أبعد من البؤرة الاستيطانية في تفسير ما يحدث. يقول: "إن استهداف المنطقة بدأ منذ أكثر من عامين، عندما منع الجيش الإسرائيلي المزارعين من استخدام الشارع الرئيسي الذي اعتادوا الوصول عبره إلى أراضيهم طوال حياتهم".

لم يكن أمام المجلس القروي سوى البحث عن طريق آخر. شقَّ طرقًا ترابية حتى يستطيع المزارعون الوصول إلى أراضيهم، لكن الطرق الجديدة كانت شاقة، فاضطروا إلى اقتناء مركبات "مشطوبة" للوصول إليها.

ثم جاءت خطوة أخرى: بدأ الاحتلال بمصادرة تلك المركبات، وكأن الطريق إلى الأرض يجب أن يُغلق بأي وسيلة ممكنة.

في الجهة الأخرى، كان للمستوطنين طريق مختلف، فقد سمح لهم الاحتلال بزيارة عين الزرقا تحت مسمى "السياحة"، وبحسب رضوان، أتاح ذلك لهم جمع معلومات دقيقة عن المنطقة، قبل إقامة البؤرة الاستيطانية التي أصبحت اليوم أخطر ما تواجهه عين الزرقا.

ولم تكن الزراعة وحدها هي التي بدأت تدفع الثمن، فقبل أن يغلق الخوف أبواب المكان، كانت عين الزرقا مقصدًا للأهالي من مناطق مختلفة، تأتي إليها الرحلات والمسارات، ويقصدها الناس للراحة والاستمتاع بالمشهد الطبيعي، أما الآن، فقد أصبحت تلك الحركة شبه معدومة.

"البؤرة الاستيطانية التي أقيمت في المنطقة، وما سبقها من إغلاق للطرق، حولا عين الزرقا إلى منطقة "شبه مهجورة".

ويقول المختص في شؤون الاستيطان رائد موقدي: "هجمة المستوطنين لم تضر المزارعين فقط، بل أصابت القطاع السياحي أيضًا"، واصفًا عين الزرقا بأنها من أهم الينابيع المائية في الضفة الغربية، ومصنفة محمية طبيعية، ومصدر للمياه لما لا يقل عن 400 دونم مزروعة بالخضراوات والأشجار المثمرة.

ويضيف: "المنطقة، قبل الحرب على غزة، كانت مقصدًا سياحيًا للزوار من مختلف المناطق، وموقعًا مهمًا للسياحة الفلسطينية، ومصدر دخل لقرية بيتللو ودير عمار والقرى المجاورة، فضلًا عن تنوعها البيئي الفريد الذي كان يجذب السياح إليها".

"لكن المشهد تبدل"، يقول موقدي، فالبؤرة الاستيطانية التي أقيمت في المنطقة، وما سبقها من إغلاق للطرق، حولا عين الزرقا إلى منطقة "شبه مهجورة".

مجلس بيتللو عمل سابقًا على توصيل شبكة كهرباء ومحولات، وأقام خزانات مياه وشبكات داخلية، ونفذ مشاريع صغيرة، بهدف دعم المزارعين.

ويرى أن الهدف الأساسي للمستوطنين هو إقامة منتجع سياحي، لخدمة المستوطنات المحيطة، وخاصة مستوطنات "تلمون" و"نحلئيل" و"حلميش".

وإذا كان المكان قد عرف الزوار والمزارعين، فقد عرف أيضًا محاولات فلسطينية متواصلة لحمايته وتثبيت أهله فيه، فمجلس بيتللو عمل سابقًا على توصيل شبكة كهرباء ومحولات تبعد خمسة كيلومترات عن البلدة، وأقام خزانات مياه وشبكات داخلية، ونفذ مشاريع صغيرة، بينها بيوت بلاستيكية، بهدف دعم المزارعين ومساعدتهم على البقاء.

اليوم، تطال الهجمة هذه البنية التحتية أيضًا، ولم يعد دور المجلس يقتصر على تطوير الخدمات، بل تحول إلى محاولة يومية لمنع انقطاع المزارع عن أرضه.

حين تمنع الجرافات من فتح الطرق، تُرمم يدويًا بالأدوات الزراعية البسيطة، ومنذ ساعات الفجر، يتواجد أعضاء المجلس بين المزارعين لتوفير الدعم النفسي والميداني، فيما تتواصل المتابعة القانونية عبر تقديم الشكاوى والتواصل مع المحامين والجهات المختصة. يزيد رضوان: "إن الهدف الأساسي هو أن يبقى المزارع في أرضه".

أكثر من مئة نبع، وثمانية آلاف دونم، ومئات المزارعين وأفراد عائلاتهم، وحقول كانت تمد رام الله بالغذاء، ومكان كان يستقبل الزوار، كل ذلك يقف اليوم أمام بؤرة استيطانية تتقدم، وطرق تُغلق، واعتداءات تتكرر، لكن في عين الزرقا، المزارع يعرف أن الأرض التي لا تجد صاحبها تصبح وحيدة، لذلك يصر على البقاء.

كاريكاتـــــير