شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 11 اعسطس 2026م15:47 بتوقيت القدس

نحو 40 محلًا ومنشأة وصلها إخطارات..

بين الهدم والاستيطان.. الاحتلال يعيد رسم جغرافيا جنين

11 اعسطس 2026 - 14:24

الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:

قبل أيام من الموعد الذي حدده جيش الاحتلال لهدم منشأته، وقف بلال هنداوي وسط السيارات التي اعتاد إصلاحها منذ سنوات. نقل أدواته قطعة تلو الأخرى، وأعاد ترتيب ما يمكن إنقاذه، فيما تبدو ورشته، التي شكّلت مصدر رزقه ورزق تسع عائلات، وكأنها تستعد لوداع أخير.

منشآت كانت مصدر رزق لمئات العائلات في جنين والقرى المجاورة، وجدت نفسها أمام مهلة قصيرة لا تتيح لأصحابها سوى محاولة تقليل الخسائر.

لم يعد الرجل منشغلًا بما سيدخل إليه من سيارات أو بما سيغادر منها، بل بما يمكن حمله قبل أن تصل الجرافات.

وعلى امتداد الشارع الالتفافي شرقي مدينة جنين، شمالي الضفة الغربية، من دوار البادية حتى مدخل قرية عابا، انشغل أصحاب نحو 40 محلًا ومنشأة تجارية خلال الأيام الماضية بإفراغ محالهم ونقل معداتهم وبضائعهم، بعدما أخطرهم جيش الاحتلال الإسرائيلي، قبل نحو أسبوع، بإخلائها تمهيدًا لهدمها.

منشآت كانت مصدر رزق لمئات العائلات في جنين والقرى المجاورة، وجدت نفسها أمام مهلة قصيرة لا تتيح لأصحابها سوى محاولة تقليل الخسائر قبل أن يتحول المكان إلى ركام.

وتقع هذه المنشآت بمحاذاة مستوطنتي جانيم وكاديم المقامتين على أراضي مدينة جنين، واللتين أُخليتا عام 2005م ضمن خطة "فك الارتباط"، قبل أن تقر الحكومة الإسرائيلية، أواخر عام 2025م، إعادة إنشائهما، في إطار خطط توسيع الاستيطان في شمال الضفة الغربية.

وبينما تعود أسماء المستوطنات التي أُخليت قبل عقدين إلى المشهد، تُدفع المنشآت الفلسطينية المحيطة بها خطوة أخرى نحو الإخلاء والهدم.

بلال هنداوي (45 عامًا)، صاحب شركة متخصصة في تصليح السيارات على الشارع الالتفافي شرقي جنين، أمضى أكثر من ثلاثين عامًا في بناء منشأته والعمل فيها، قبل أن يتلقى إخطارًا بإخلائها خلال أسبوع تمهيدًا لهدمها.

"قوات الاحتلال أبلغتني بالقرار وطالبته بإخلاء المكان خلال المهلة المحددة، من دون أن تترك له مجالًا للاعتراض أو النقاش".

يوضح أن المنشأة أقامها وفق الاشتراطات التي فرضتها سلطات الاحتلال، فتراجع بها أحد عشر مترًا عن الشارع، وشيدها من الصفيح بدلًا من البناء الإسمنتي، لكنه اكتشف أن كل تلك الاشتراطات لم تكن كافية لحمايتها من قرار الهدم.

يتذكر هنداوي لحظة تسلمه الإخطار، قائلًا: "قوات الاحتلال أبلغتني بالقرار وطالبته بإخلاء المكان خلال المهلة المحددة، من دون أن تترك له مجالًا للاعتراض أو النقاش".

وما كان يراه في مدن فلسطينية أخرى، كما يقول، أصبح اليوم واقعًا يعيشه في جنين، في ظل شعور متزايد بانعدام الأمان وغياب أي جهة يمكنها وقف هذه الإجراءات.

وبينما يحاول هنداوي إنقاذ ما يستطيع من ورشته، لا يغيب عنه أن خسارتها لن تعني فقدان مكان للعمل فقط، بل مصدر الرزق الوحيد الذي يعيل أسرته وأسر العاملين معه، فهو أب لأربعة أبناء، ويعرف أن هدم المنشأة سيضعه أمام سؤال أصعب من كيفية إخلائها "كيف سأبدأ من جديد؟".

لكن ما جرى لهنداوي لم يبقَ في حدود الإخطار والانتظار، ففي 30 تموز/ يوليو، انتقلت الجرافات إلى منشأة أخرى عند مدخل بلدة عنزة على شارع جنين -نابلس، وهدمت طابقين سكنيين ونحو سبعة مخازن للبضائع، لتترك أصحابها أمام خسارة وقعت بالفعل، لا أمام خطر ينتظر التنفيذ.

وتقع المنطقة بالقرب من مستوطنة ترسلة (سانور) المقامة على أراضي بلدتي جبع وصانور، التي أُخليت عام 2005م، قبل أن يشرع جيش الاحتلال خلال الفترة الأخيرة في إعادة إنشائها، ضمن خطة إعادة المستوطنات المخلاة شمالي الضفة الغربية.

هشام فوزي حنتولي (60 عامًا)، من بلدة سيلة الظهر، كان قد اشترى قطعة أرض على شارع جنين -نابلس عند مدخل بلدة عنزة، وأقام عليها سبعة مخازن وطابقين سكنيين، جهزهما بالكامل وأثث الشقق.

قوات الاحتلال اقتحمت الموقع، وخلعت أبواب الشقق التي كان يسكنها السكان، وأبلغتهم بضرورة إخلائها خلال أربعين دقيقة، من دون السماح لهم بإخراج محتويات المخازن.

وقبل نحو شهرين من الهدم، تسلم إخطارًا بوقف العمل، فاختار، إلى جانب عدد من جيرانه، اللجوء إلى القانون؛ فوكلوا محاميًا واستعانوا بمسّاحين مرخصين، وبدأوا إجراءات الترخيص.

لكن صباح الهدم جاء أسرع من أي أمل في استكمال الإجراءات، يخبر حنتولي "نوى"، أن قوات الاحتلال اقتحمت الموقع، وخلعت أبواب الشقق التي كان يسكنها السكان، وأبلغتهم بضرورة إخلائها خلال أربعين دقيقة، من دون السماح لهم بإخراج محتويات المخازن أو الأثاث الجديد الموجود داخل الشقق.

اتصل حنتولي بمحاميه فور وصول القوات، فأبلغه بأن إجراءات الترخيص ما تزال قائمة، وأنه لا يفترض تنفيذ الهدم في ظل استكمالها.

بقيت الجرافات في المكان لساعات، قبل أن تبدأ عملية الهدم التي انتهت بتدمير المبنى بالكامل. "لم يبقَ من الطابقين والمخازن سوى ما تركته الجرافات خلفها، فيما تحولت الإجراءات التي اتخذها الرجل لحماية منشأته إلى أوراق لم تمنع سقوطها" تردف.

المناطق التي تشهد هدم المنشآت التجارية والسكنية تقع بمحاذاة أو بالقرب من مستوطنات أُخليت عام 2005م، مثل "جانيم" و"كاديم" و"ترسلة"، التي شرعت "إسرائيل" بإعادة إنشائها.

ولا يرى مدير التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أمير داوود، هذه الوقائع باعتبارها حوادث منفصلة، مؤكدًا أن عمليات الهدم في محيط جنين لا يمكن فصلها عن الخطط الاستيطانية التي تنفذها دولة الاحتلال شمالي الضفة الغربية.

ويشير إلى أن المناطق التي تشهد هدم المنشآت التجارية والسكنية تقع بمحاذاة أو بالقرب من مستوطنات أُخليت عام 2005م، مثل "جانيم" و"كاديم" و"ترسلة"، التي شرعت الحكومة الإسرائيلية بإعادة إنشائها.

ويضيف داوود: "إعادة إنشاء هذه المستوطنات تترافق مع إجراءات أخرى تشمل هدم المنشآت الفلسطينية، والحد من التوسع العمراني، وفرض مزيد من السيطرة على الأراضي المحيطة، بما يضيّق على الوجود الفلسطيني ويحد من قدرة السكان على استثمار أراضيهم وتطويرها".

ولا تقف الخسارة عند حدود أصحاب المنشآت التي هُدمت أو أُجبرت على الإخلاء، إذ تأتي هذه الإجراءات في مدينة تعاني أصلًا من ضغوط اقتصادية متراكمة بفعل الاقتحامات المتكررة والاضطراب الذي طال الحركة التجارية، وفق الصحفي والمحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر.

بلغ معدل البطالة في جنين (15.8%) عام 2025م، مقارنة بـ(19.1%) عام 2024م، و(18.8%) عام 2023م، وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

ويؤكد أبو قمر أن هذه الظروف تعطل سلاسل الإمداد، وتقلص فرص العمل، وتحد من حركة التجارة والإنتاج، ما ينعكس سلبًا على الاقتصاد المحلي ككل.

ويظهر ذلك في مؤشرات سوق العمل في محافظة جنين، حيث بلغ معدل البطالة (15.8%) عام 2025م، مقارنة بـ(19.1%) عام 2024م، و(18.8%) عام 2023م، وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

ويشير أبو قمر إلى أن استمرار الاقتحامات وإغلاق المنشآت التجارية، إلى جانب عمليات الهدم، يفاقم حالة الركود عبر تقليص فرص التشغيل، خصوصًا في القطاعات التجارية والخدمية التي تتأثر مباشرة بتراجع الحركة داخل المدينة ومحيطها.

"استهداف الأسواق والمنشآت التجارية يعرقل فرص التعافي الاقتصادي، باعتبار أن الحركة التجارية أحد مؤشرات عودة المدن إلى نشاطها بعد الأزمات".

وتتضاعف الضغوط مع النزوح من مخيم جنين، الذي نزح منه نحو 20 ألف شخص مطلع عام 2025م، ما انعكس على الحركة السكانية والاقتصادية في المخيم والأسواق المحيطة به، وأدى إلى تراجع قاعدة المستهلكين والطلب على بعض الأنشطة التجارية.

ويرى أبو قمر أن استهداف الأسواق والمنشآت التجارية يعرقل فرص التعافي الاقتصادي، باعتبار أن الحركة التجارية أحد مؤشرات عودة المدن إلى نشاطها بعد الأزمات. فكلما تراجعت الحركة بفعل الاقتحامات والإغلاقات والهدم، تراجعت قدرة الاقتصاد المحلي على استعادة عافيته وتعزيز صموده.

عزوف المستثمرين عن التوسع أو إطلاق مشاريع جديدة، خصوصًا في القطاعات التجارية والخدمية، يقلل فرص خلق الوظائف وتنشيط السوق.

وعلى المدى البعيد، يحذر من أن استمرار هذه الظروف يضعف القاعدة الإنتاجية ويزيد هشاشة الاقتصاد المحلي، مع تراجع فرص الاستثمار نتيجة غياب الاستقرار وتكرار الاقتحامات.

كما أن عزوف المستثمرين عن التوسع أو إطلاق مشاريع جديدة، خصوصًا في القطاعات التجارية والخدمية، يقلل فرص خلق الوظائف وتنشيط السوق، ويفاقم التحديات الاقتصادية التي تواجهها جنين ويؤخر مسار التعافي.

وهكذا، يجد أصحاب المنشآت أنفسهم أمام واقع لا يمنحهم فرصة لتطوير أعمالهم، بل يدفعهم إلى تفكيكها قطعة تلو أخرى، تمامًا كما يفعل هنداوي في ورشته قبل وصول الجرافات.

وبين منشأة تُخلى وأخرى تُهدم، ومستوطنة تُعاد إلى الخريطة، تتجاوز الخسارة جدران المحال والمخازن والمنازل؛ إذ تخسر جنين تدريجيًا جزءًا من نشاطها الاقتصادي، فيما تُعاد رسم ملامح المكان نفسه، بحيث يصبح الهدم والاستيطان وجهين لمسار واحد يعيد تشكيل الجغرافيا ويضيّق مساحة الوجود الفلسطيني.

كاريكاتـــــير