غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في كل مرة يرتفع فيها صدر الطفل الرضيع ثم يهبط، تحبس والدته أنفاسها معها. تحدق في شاشة جهاز مراقبة النبض، تراقب الأرقام وحركة جسده الهزيل، وتخشى أن يطول الصمت بين شهيق وآخر، وأن يأتي النفس التالي متأخرًا عن موعده.
داخل غرفة العناية المركزة، تمتزج صفارات الأجهزة برائحة المعقمات، بينما يستلقي الرضيع محمد عاهد المصري ذو الأشهر التسعة على سرير أبيض أكبر بكثير من حجم جسده النحيل.
تتشابك الأنابيب حول ذراعيه وصدره، ويتوسط بطنه جرح كبير تنتهي عنده فتحة تبرز منها الأمعاء إلى كيس خارجي، شاهدة على رحلة من الألم بدأت قبل أن يعرف محمد معنى الطفولة.
بدأت رحلته مع المرض بانغلاق معوي تسبب في انسداد الأمعاء وموت جزء منها، ما استدعى استئصال الجزء المتضرر والجزء الأيمن من القولون، ثم إعادة توصيلها من جديد.
ظنت والدته أن أصعب مراحل العلاج قد انتهت، وأن طفلها الصغير بدأ أخيرًا طريقه نحو التعافي، لكن بعد أسبوع واحد فقط، تعرض مكان التوصيل لتسريب خطير، ليخضع لعملية جراحية ثانية جرى خلالها تحويل مسار الأمعاء (إليوستومي).
ولم تمضِ أيام حتى انفجر جدار بطنه، فعاد إلى غرفة العمليات للمرة الثالثة، تاركًا على جسده الصغير ندوبًا أكبر من عمره، وعلى قلب أمه خوفًا جديدًا لا تجد له نهاية.
لم تتوقف المضاعفات عند حدود الجراحات. دخل محمد قسم العناية المركزة مرتين بعد إصابته بتسمم في الدم وارتفاع حاد في وظائف الكلى، فيما يعاني اليوم من سوء تغذية شديد نتيجة حالته الصحية الحرجة والمضاعفات المتكررة.
وبحسب الأطباء، فإن حالته بالغة الخطورة، ويحتاج بصورة عاجلة إلى استكمال علاجه في الخارج، حيث تتطلب حالته تدخلات جراحية متخصصة ورعاية طبية لا تتوفر في قطاع غزة.
تحفظ والدته عن ظهر قلب نتائج تحاليله، ومواعيد تبديل الضمادات، وأوقات دخول الأطباء وخروجهم من غرفة العناية، أما الليل، فقد تحول بالنسبة إليها لساعات طويلة تجلس فيها إلى جوار سرير ابنها، تراقب أنفاسه وتنتظر أن تمر الساعات بسلام.
كل عملية كانت تفتح في جسد محمد جرحًا جديدًا، وفي قلب أمه سؤالًا أكثر قسوة: إلى متى يستطيع هذا الجسد الصغير أن يحتمل؟
تقول لـ"نوى": "كنت أعد الأيام حتى أراه يمشي ويناديني، واليوم صرت أعد أنفاسه (..) في كل مرة كانوا يأخذونه إلى غرفة العمليات، كنت أقول: يمكن هذه آخر مرة، لكننا كنا نعود إلى بداية وجع جديد".
كل عملية كانت تفتح في جسد محمد جرحًا جديدًا، وفي قلب أمه سؤالًا أكثر قسوة: إلى متى يستطيع هذا الجسد الصغير أن يحتمل؟
لم تعد تنتظر موعدًا لعودة طفلها إلى البيت، بل تنتظر فقط أن ينجو من ليلة أخرى، وأن يبقى النفس الذي تعده الآن متبوعًا بآخر.
"العناية اليومية بفتحة الإليوستومي تحتاج إلى أكياس خاصة، وشاش معقم، ومواد لحماية الجلد، وهي مستلزمات يصعب توفيرها في غزة".
ولا تنتهي معاناة محمد ووالدته عند باب غرفة العناية، فالعناية اليومية بفتحة الإليوستومي تحتاج إلى أكياس خاصة، وشاش معقم، ومواد لحماية الجلد، وهي مستلزمات يصعب توفيرها في غزة.
تشير الأم إلى الالتهابات التي تحيط بجرح ابنها قائلة: "جلده يؤلمه باستمرار، وأحيانًا لا أجد حتى المستلزمات التي أغيّر له بها. أشعر بالعجز وأنا أراه يتألم أمامي".
ورغم التعب الذي ارتسم على ملامحها، تحاول الأم أن تخفي دموعها كلما فتح محمد عينيه.. تقترب من سريره، تمرر أصابعها فوق رأسه، وتهمس له بكلمات لا يسمعها سواها، كأنها تحاول أن تمنحه من صوتها بعض الأمان الذي عجزت الحرب والمرض عن توفيره له.
تقدر منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 18,500 مريض بحاجة إلى إجلاء طبي عاجل لتلقي علاج غير متوفر داخل غزة، بينهم نحو 4,000 طفل.
وقصة محمد لا تقف وحدها في طابور الألم، فهي واحدة من آلاف الحالات التي يواجه أصحابها خطر تدهور صحتهم بسبب محدودية القدرة على الوصول إلى العلاج المتخصص خارج قطاع غزة.
وتقدر منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 18,500 مريض بحاجة إلى إجلاء طبي عاجل لتلقي علاج غير متوفر داخل غزة، بينهم نحو 4,000 طفل.
وتؤكد المنظمة أن كثيرًا منهم يعانون من إصابات بالغة أو أمراض معقدة، وأن تأخر إجلائهم يزيد من خطر الوفاة أو الإصابة بإعاقات دائمة.
منذ بدء الإبادة وحتى فبراير/شباط 2026م، أُجلي 11,124 مريضًا فقط، بينهم 5,835 طفلًا، وهو عدد لا يغطي سوى جزء من الاحتياجات المتزايدة
وتشير الإحصاءات إلى أنه منذ بدء الإبادة وحتى فبراير/شباط 2026م، أُجلي 11,124 مريضًا فقط، بينهم 5,835 طفلًا، وهو عدد لا يغطي سوى جزء من الاحتياجات المتزايدة، فيما لا تزال قوائم الانتظار تضم آلاف الحالات الحرجة.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن استمرار القيود على حركة المرضى ومحدودية ممرات الإجلاء الطبي، إلى جانب انهيار المنظومة الصحية في غزة، يحرم كثيرًا من الأطفال من الوصول إلى رعاية تخصصية لا يمكن توفيرها داخل القطاع، ما يجعل عامل الوقت حاسمًا في فرص نجاتهم.
"محمد الآن يعاني من فشل كلوي، وحموضة وتسمم في الدم، وجرثومة خطيرة".
وفي حالة محمد، لا يبدو الوقت مجرد رقم على ساعة غرفة العناية، فكل دقيقة تمر تحمل معها احتمالًا جديدًا للخطر.
تعقب والدته: "محمد الآن يعاني من فشل كلوي، وحموضة وتسمم في الدم، وجرثومة خطيرة".
وتؤكد أن الأطباء أبلغوها بأن طفلها يحتاج بصورة عاجلة إلى استكمال علاجه في مركز طبي متخصص خارج غزة، حيث تتوفر الإمكانات اللازمة لإجراء العمليات الجراحية الدقيقة وتقديم الرعاية المتقدمة التي تتطلبها حالته.
وحتى يحين ذلك، يبقى رضيع لم يعرف من الدنيا سوى غرف العمليات والعناية المركزة، يقاوم الحياة بأنفاس متعبة، بينما تواصل والدته عدّها واحدة تلو الأخرى، متشبثة بأمل ألا يكون أي منها الأخير.
تقول في ختام حديثها لـ"نوى": "لا أريد سوى أن يحصل على حقه في العلاج، وأن يعود طفلًا يعيش حياته بعيدًا عن غرف العمليات والعناية المركزة".
























