شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 04 اعسطس 2026م00:04 بتوقيت القدس

منع إدخال الأجهزة اللازمة يجعل المهمة أكثر تعقيدًا..

غزة.. رفاتٌ مجهولة تنتظر اسمًا وهوية!

03 اعسطس 2026 - 19:37

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

داخل دائرة الطب الشرعي في مجمع الشفاء الطبي، لا تبدأ الحكاية عند رفات مجهولة الهوية، بل عند أسماءٍ انقطعت عنها الأخبار.

هناك، لكل قطعة عظم قصة لم تكتمل، ولكل رفات ملامح غابت وبقي أصحابها عالقين في ذاكرة أحبّتهم، وبين كل هذا الصمت، تبدأ رحلة البحث عن الهوية، بجمع عينات الحمض النووي (DNA)، على أمل أن يأتي يوم تستعيد فيه هذه الرفات أسماءها، وتعود إلى عائلاتها ولو بعد غياب.

تبدأ المهمة منذ اللحظات الأولى لانتشال الرفات، حين ترافق طواقم الطب الشرعي رجال الدفاع المدني إلى مواقع الانتشال، حيث يتم التعامل مع رفات الشهداء مجهولي الهوية وفق إجراءات دقيقة، قبل نقلها إلى دائرة الطب الشرعي في مجمع الشفاء الطبي.

وهناك، تُجمع عينات الحمض النووي  (DNA)، وتُرقم الرفات، وتُحفظ وتُوثق بعناية ضمن سجلات خاصة، بانتظار اليوم الذي تُطابق فيه مع عينات ذوي المفقودين، أملاً في الوصول إلى هوية أصحابها، وإعادة أسمائهم إلى من ظلوا يبحثون عنها.

هذه المهمة الشاقة تُنجز بإمكانات محدودة، في وقت تفتقر فيه المختبرات إلى الأجهزة اللازمة، فيما يواصل الاحتلال منع إدخال أجهزة فحص الحمض النووي.

لكن هذه المهمة الشاقة تُنجز بإمكانات محدودة، في وقت تفتقر فيه المختبرات إلى الأجهزة اللازمة، فيما يواصل الاحتلال منع إدخال أجهزة فحص الحمض النووي، ليبقى التعرف على الرفات معلقًا، وتبقى عشرات العائلات محرومة من معرفة مصير أحبّتها.

ويشرح رئيس قسم الأدلة الطبية في دائرة الطب الشرعي بمجمع الشفاء الطبي، زياد عاشور، آلية التعامل مع رفات الشهداء مجهولي الهوية، موضحًا أن مئات المفقودين ما زالوا بلا أثر، فيما لا تنقطع زيارات عائلاتهم إلى مقر الطب الشرعي، بحثًا عن أي خيط يقود إليهم، "غير أن غياب الإمكانات يجعل المهمة شديدة التعقيد، إذ تعتمد الطواقم حتى اليوم على وسائل أولية، في مقدمتها الفحص بالعين المجردة، في ظل غياب أجهزة فحص الحمض النووي" يقول.

المهمة تصبح أكثر تعقيدًا عندما تصل جثامين متفحمة أو متحللة، أو مجردة من الملابس والمقتنيات الشخصية، وهي من أهم وسائل التعرف الأولية.

ويضيف: "نحن لا نيأس، فمنذ ثلاث سنوات نواصل فحص ومعاينة وتوثيق الجثامين مجهولة الهوية التي تصل إلينا".

ويؤكد عاشور أن رحلة التعرف تبدأ منذ لحظة انتشال الجثمان، حيث تُوثق بيانات مكان العثور عليه وتاريخ انتشاله، ثم يُمنح رمزًا خاصًا يجمع هاتين المعلومتين، ضمن نظام ترميز معتمد لدى دائرة الطب الشرعي، بما يُسهل عملية المطابقة مستقبلًا مع بلاغات ذوي المفقودين، خاصة إذا كان آخر مكان شوهد فيه المفقود هو ذاته الذي انتُشل منه الجثمان.

غير أن المهمة تصبح أكثر تعقيدًا عندما تصل جثامين متفحمة أو متحللة، أو مجردة من الملابس والمقتنيات الشخصية، وهي من أهم وسائل التعرف الأولية، "عندها، لا يبقى أمام الطواقم سوى الفحص الظاهري، الذي نادرًا ما يقود إلى نتيجة حاسمة" يعقب.

"في كثير من الحالات تصلنا جثامين بلا ملابس أو مقتنيات شخصية، فتختفي أهم وسائل التعرف الأولية، ولا يبقى أمامنا سوى الفحص العيني".

ويتابع: "في كثير من الحالات تصلنا جثامين بلا ملابس أو مقتنيات شخصية، فتختفي أهم وسائل التعرف الأولية، ولا يبقى أمامنا سوى الفحص العيني، الذي لا يقود في معظم الأحيان إلى نتيجة".

ولا تتوقف العقبات عند هذا الحد، إذ يشير عاشور إلى أن الاحتلال أعاد في أكثر من مرة نبش مقابر دُفنت فيها جثامين مجهولة الهوية، ما أدى إلى ضياع كثير من المعلومات التي كانت قد جُمعت عنها، وأعادها إلى دائرة المجهول مرة أخرى.

كما أن النزوح المتكرر وتشتت العائلات حرما كثيرًا من الأهالي حتى من تذكر الملابس التي كان يرتديها أبناؤهم أو آخر مكان شوهدوا فيه، وهو ما يزيد مهمة التعرف تعقيدًا. يزيد: "قد يصبح المجهول مجهولًا مرة أخرى، بعد إعادة نبش المقابر واختلاط الجثامين".

"غياب أجهزة فحص الحمض النووي هو العقبة الأكبر أمام عمل دائرة الطب الشرعي، والاحتلال لا يزال يمنع إدخال هذه الأجهزة إلى قطاع غزة".

ويصف عاشور غياب أجهزة فحص الحمض النووي بأنه العقبة الأكبر أمام عمل دائرة الطب الشرعي، مؤكدًا أن الاحتلال لا يزال يمنع إدخال هذه الأجهزة إلى قطاع غزة.

وللتغلب على ذلك، تجمع الطواقم عينات من الجثامين مجهولة الهوية وتحفظها في ظروف مناسبة، على أمل فحصها مستقبلًا عند توفر الإمكانات أو عبر جهة دولية متخصصة، "لكن بعض هذه العينات تعرض للتلف نتيجة الانقطاع المتكرر للكهرباء، وما سببه من خلل في أنظمة التبريد داخل المستشفى" يستدرك.

ويطالب عاشور بالسماح بإدخال أجهزة فحص الحمض النووي، أو تمكين جهة دولية من فحص العينات المحفوظة، حتى تتمكن العائلات من معرفة مصير أبنائها، وإنهاء سنوات طويلة من الانتظار.

وفي المقابل، تواصل مئات العائلات طرق أبواب دائرة الطب الشرعي، بحثًا عن إجابة واحدة تنهي رحلة الغياب. من بينهم يوسف أبو شريعة، الناجي الوحيد من عائلته، الذي يستعيد الساعات الأخيرة قبل فقدانهم، واصفًا القصف بأنه كان أشبه بـ"سماء تمطر نارًا".

بعد نجاته عاد إلى منزله، لكنه وقف عاجزًا أمام الركام الذي أخفى أفراد أسرته، فيما كان المنزل يؤوي عشرات النازحين، في وقت حالت فيه قلة الإمكانات وشح المعدات دون انتشالهم.

ومع وقف إطلاق النار، عاد يوسف برفقة أقاربه لانتشال رفات أفراد عائلته، إلا أن المأساة لم تنتهِ عند إخراجها، إذ تعذر التعرف على عدد كبير منها بسبب اختلاط العظام وتحلل الجثامين.

ويصف تلك اللحظة بأنها كانت الأشد قسوة، حين جلس أمام الرفات محاولًا أن يمنح كل قطعة عظم اسمًا، متسائلًا: "أيها يعود لوالدته؟ وأيها لوالده؟ وأين إخوته؟".

ويقول: "جلست أمام الرفات أحاول أن أتخيل لمن تعود هذه العظام.. من منهم أمي؟ ومن منهم أبي؟ وأين إخوتي؟".

وتختصر قصة يوسف جانبًا من معاناة مئات العائلات التي لا تزال عاجزة عن معرفة مصير أبنائها أو التعرف على رفاتهم، في ظل غياب أجهزة فحص الحمض النووي، التي باتت تمثل الأمل الأخير لإنهاء سنوات الانتظار، وإعادة الهوية إلى أصحابها.

ويطالب ذوو المفقودين بالسماح الفوري بإدخال هذه الأجهزة إلى قطاع غزة، أو نقل العينات المحفوظة إلى مختبرات دولية متخصصة، لإجراء الفحوصات اللازمة، بما يضمن التعرف على هوية الشهداء، ويمنح عائلاتهم حقًا طال انتظاره: أن يعرفوا مصير أحبّتهم، وأن يواروهم الثرى بأسمائهم، لا بوصفهم رفاتًا مجهولة.

كاريكاتـــــير