شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 05 يوليو 2026م19:56 بتوقيت القدس

حين أُغلقت الفنادق.. أُغلقت معها أبواب الرزق في غزة

05 يوليو 2026 - 18:22

عندما كان أنس حمودة يفتح أبواب الفندق كل صباح لاستقبال النزلاء، لم يكن يتخيل أن المكان نفسه سيغلق أبوابه إلى أجل غير معلوم، وأن قطاعاً كاملاً سيختفي في غضون أشهر. فمع اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية في السابع من أكتوبر 2023، لم تخسر غزة فنادقها ومطاعمها واستراحاتها البحرية فحسب، بل خسرت أيضاً آلاف الوظائف التي كانت تعيل أسراً كاملة، لتتحول السياحة من أحد القطاعات الواعدة إلى أحد أكثر القطاعات تضرراً.

يقول حمودة، البالغ من العمر 39 عاماً: "كان القطاع السياحي في غزة يعيش واحدة من أفضل مراحله قبل الحرب، خاصة في الفترة الممتدة بين انحسار جائحة كورونا واندلاع الإبادة، حيث شهدت الفنادق والمطاعم والاستراحات البحرية حركةً نشطةً وتوسعاً ملحوظاً في الاستثمارات والخدمات".

ويضيف: "رغم الحصار وصعوبة دخول الأجانب إلى غزة، كانت السياحة الداخلية تشكل رافعة مهمة للقطاع، وشهدنا خلال السنوات الأخيرة نهضة عمرانية واضحة على امتداد شاطئ البحر، لكن الحرب أعادت كل شيء إلى نقطة الصفر".

ولم يكن القطاع السياحي في غزة مجرد مصدر دخل لآلاف العاملين، بل شكّل على مدار سنوات جزءاً من الذاكرة الجمعية للمدينة. فعلى امتداد الشريط الساحلي انتشرت الفنادق والاستراحات والمطاعم المطلة على البحر، إلى جانب مواقع أثرية وتاريخية تعكس تعاقب الحضارات على غزة بوصفها واحدة من أقدم مدن العالم. وبالنسبة لكثير من الغزيين، ارتبطت هذه الأماكن بذكريات المناسبات العائلية واللقاءات الاجتماعية ومواسم الاصطياف، قبل أن تتحول مساحات واسعة منها إلى ركام بفعل الحرب.

ولم يقتصر أثر الحرب على تدمير المنشآت السياحية فحسب، بل امتد ليطال آلاف العاملين الذين فقدوا مصدر دخلهم الوحيد بعد توقف غالبية المنشآت عن العمل أو تدميرها بصورة كلية أو جزئية.

ويقول الدكتور زكريا أبو الهور، مدير عام الإدارة العامة للمهن السياحية بوزارة السياحة والآثار في غزة، إن القطاع السياحي كان من بين القطاعات التي تعرضت لاستهداف مباشر خلال الحرب، بعدما شهد سنوات من النمو والتطوير المتواصل.

يشرح أبو الهور: "كانت غزة تضم قبل الحرب أكثر من عشرين فندقاً، وما يزيد على 450 مطعماً سياحياً، وقد شهدت هذه المنشآت قفزة نوعية على صعيد جودة الخدمة، ضمن رؤية تطويرية عملت الوزارة على تنفيذها بين عامي 2018 و2023 بهدف دعم القطاع وتحفيز الاستثمار فيه".

يتابع: "ما نشهده اليوم هو صورة مختلفة تماماً، فمعظم المنشآت السياحية تعرضت لأضرار جسيمة، وبعضها دُمّر بالكامل، فيما تجاوزت نسبة المنشآت المتضررة 86 بالمئة بين دمار كلي وجزئي".

وبحسب أبو الهور، فإن آثار هذا الدمار انعكست بصورة مباشرة على العاملين في القطاع، الذين يُقدَّر عددهم بنحو خمسة إلى ستة آلاف عامل كانوا يعيلون آلاف الأسر الفلسطينية. ويشير إلى أن حجم الخسائر لا يقتصر على المباني والمنشآت فحسب، بل يمتد إلى آلاف فرص العمل التي توقفت بصورة شبه كاملة، فيما تراجع نشاط معظم المنشآت أو توقف بالكامل نتيجة الدمار ونزوح السكان وتدهور الأوضاع الاقتصادية.

ويشير إلى أن الوزارة تحاول، بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني وبعض الجهات الشريكة، تنفيذ مبادرات تهدف إلى إنعاش القطاع وإعادة تشغيل جزء من العاملين، إلا أن هذه الجهود تصطدم بجملة من التحديات، أبرزها منع إدخال مواد البناء والأثاث والتجهيزات اللازمة لإعادة تأهيل المنشآت المتضررة.

أما وسام الغلبان، الذي عمل شيفاً في عدد من المطاعم السياحية قبل الحرب، فيقول: "إن ما تبقى من المنشآت العاملة بالكاد يستطيع مواصلة العمل في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة".

ويشرح الغلبان: "اضطر معظم أصحاب المطاعم إلى تطبيق نظام المداورة بين العاملين بهدف المحافظة على الحد الأدنى من مصادر دخلهم، بحيث يعمل الموظف ما بين عشرة وخمسة عشر يوماً شهرياً فقط، مقابل جزء محدود من راتبه الأصلي".

ويضيف: "تضاعفت أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية مرات عديدة، بينما تراجعت أيام العمل، وبقيت الرواتب على حالها أو انخفضت، حتى أصبح كثير من العاملين عاجزين عن توفير الاحتياجات الأساسية لأسرهم".

لا تقتصر التحديات على تراجع فرص العمل، إذ أسهم ارتفاع أسعار المواد الخام، وشح غاز الطهي، وضعف القدرة الشرائية لدى المواطنين، في تقليص الإقبال على المطاعم والخدمات السياحية، ما جعل فرص التعافي أكثر تعقيداً.

يرى الغلبان أن العاملين في القطاع السياحي باتوا من أكثر الفئات تضرراً من الحرب، دون أن يحظوا بأي برامج دعم أو تدخلات إغاثية مخصصة تساعدهم على تجاوز أزمتهم المعيشية.

في موازاة ذلك، تواجه محاولات إعادة تشغيل المنشآت السياحية عقبات إضافية، من بينها استمرار استخدام بعض الفنادق والاستراحات كمراكز إيواء للنازحين الذين فقدوا منازلهم خلال الحرب.

غير أن النازحين المقيمين داخل هذه المنشآت يرون أن الأزمة تتجاوز مسألة إشغال المباني إلى غياب البدائل السكنية المناسبة.

تقول فاطمة الزعانين، وهي نازحة تقيم مع أسرتها في أحد الفنادق المتضررة على شاطئ مدينة غزة: "تلقت العائلات المقيمة في المكان أكثر من إخطار بضرورة إخلائه، لكنها لا تملك خياراً آخر في ظل استمرار أزمة النزوح".

تضيف: ندرك أن أصحاب الفندق يريدون إعادة ترميمه وتشغيله، ونعرف أن أجزاء منه متضررة وقد تشكل خطراً على الأطفال، لكننا لا نملك خيمة ولا مكاناً ننتقل إليه. إذا توفر لنا بديل مناسب، سنغادر فوراً، أما الآن فلا نملك سوى البقاء".

ومن جهتهم، يجد أصحاب المنشآت السياحية أنفسهم أمام معادلة معقدة تجمع بين الرغبة في استعادة أعمالهم والاعتبارات الإنسانية المرتبطة بأوضاع النازحين.

ويقول أحمد جراد، صاحب مطعم ومقهى "سيلانو" على شاطئ خان يونس، إن منشأته لا تزال تؤوي عدداً من النازحين، بينما جرى استخدام جزء منها مصلى لخدمتهم.

ويحكي جراد: "إن التفكير في إعادة الإعمار واستئناف العمل يصطدم بواقع الأسر المقيمة في المكان. كلما فكرت بالعودة للعمل أتخيل نفسي مكان هؤلاء النازحين. كيف يمكن أن أطلب منهم المغادرة وهم لا يملكون بديلاً؟ وحتى لو حاولت توفير خيام أو المساعدة في الانتقال إلى مكان آخر، فإن ذلك يحتاج إلى تكاليف كبيرة تفوق قدرة كثير من أصحاب المنشآت المتضررة".

ويؤكد أبو الهور أن الوزارة تتعامل مع هذه القضية بحساسية عالية نظراً للبعد الإنساني المرتبط بها، مشيراً إلى أن كثيراً من النازحين لا يملكون بدائل سكنية تمكنهم من مغادرة هذه المنشآت، الأمر الذي يبطئ عمليات الترميم وإعادة التشغيل.

ويوضح أن الوزارة تعمل بالتعاون مع جهات حكومية ومجتمعية على إيجاد حلول تدريجية لهذه الإشكالية، من خلال محاولة توفير بدائل لبعض الأسر النازحة كلما أمكن ذلك، بما يسمح بإعادة تشغيل جزء من المنشآت المتضررة دون الإخلال بالبعد الإنساني للأزمة، إلا أن محدودية الإمكانات واستمرار أزمة النزوح الواسعة يعرقلان الوصول إلى حلول شاملة وسريعة.

ورغم حجم الخسائر التي تقدرها وزارة السياحة والآثار بأكثر من أربعة مليارات دولار، لا يزال العاملون في المجال السياحي يتمسكون بالأمل في استعادة جزء من حياتهم المهنية التي فقدوها تحت ركام الحرب.

ويعبر حمودة عن هذا الأمل بقوله: "إن غزة أثبتت في محطات عديدة قدرتها على النهوض من جديد. كنا نرى القطاع السياحي يتطور عاماً بعد آخر، وكنا نؤمن أن أمامه مستقبلاً واعداً، وما زلت أعتقد أن هذا المستقبل يمكن أن يعود إذا توفرت الظروف والدعم اللازم".

وراء كل فندق أُغلق، ومطعم توقفت فيه الحركة،واستراحة خلت من روادها،حكايات آلاف العاملين الذين انقطعت أرزاقهم، وبين ركام المنشآت وتعثر إعادة تشغيلها، تبقى عودة السياحة في غزة مرتبطة بعودة الحياة نفسها؛ حياة العامل الذي ينتظر استئناف عمله، وصاحب المنشأة الذي يحلم بإعادة فتح أبوابه، ومدينة اعتادت أن تصنع من البحر متنفساً لأهلها.

كاريكاتـــــير