شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 01 يوليو 2026م00:33 بتوقيت القدس

هدنة بطعم الموت.. رافعات إسرائيلية تحاصر النازحين بالنار

30 يونيو 2026 - 22:55

قطاع غزة:

لم أشعر بالرصاصة حين اخترقت بطني.. عرفت أنني مصاب عندما رأيت وجوه من حولي وقد تجمدت من الخوف".. بهذه الكلمات يستعيد محمد الزعن اللحظة التي تحولت فيها جلسته أمام خيمته في مخيم حلاوة بجباليا النزلة شمالي قطاع غزة إلى مشهد نجاة من الموت، بعد أن فتحت رافعة عسكرية إسرائيلية النار باتجاه مجموعة من النازحين.

نزح محمد من مخيم جباليا بحثًا عن مكان أكثر أمانًا وقربًا في منطقة "النزلة"، لكنه وجد خيمته على بعد نحو 500 متر فقط من الرافعات وآليات الاحتلال العسكرية المتمركزة شرق المخيم.

يقول إن الجلوس أمام الخيمة مع أفراد عائلته وأصدقائه لم يعد فعلًا عاديًا، بل مخاطرة قد تنتهي برصاصة تأتي من مكان مرتفع يراقب كل حركة، وهذا ما حدث معه تمامًا.

في ذلك اليوم، كان الجميع يتبادلون الحديث بينما يتحرك الأطفال والنساء بين الخيام، قبل أن يتحول الهدوء فجأة إلى صرخات وارتباك. أصابت الرصاصة بطنه وخرجت من ظهره، بينما ظل للحظات عاجزًا عن استيعاب ما حدث، حتى رأى الدماء وسمع من حوله ينادون باسمه.

منذ الأشهر الأولى للحرب على قطاع غزة، أقام جيش الاحتلال الإسرائيلي عشرات الرافعات والإنشاءات المعدنية المرتفعة على طول المناطق المحاذية للقطاع

يخبرنا بأن الإصابة أحدثت نزيفًا داخليًا حادًا، فيما بقي قرابة ساعة كاملة ينتظر وصول سيارة الإسعاف. خلال ذلك الوقت، صارت الخيمة نقطة إسعاف بدائية، وسط محاولات أهله وجيرانه من إبقاءه على قيد الحياة بما توفر لديهم، قبل نقله إلى مستشفى الشفاء حيث بدأت رحلة طويلة من العلاج.

اليوم، لا يزال محمد يرسم بيده مسار الرصاصة داخل جسده، ويضيف: "الإصابة لم تنته بخروجي من المستشفى، بل بقيت ترافقني مع كل حركة"، فيما تواصل ثلاث رافعات عسكرية، بحسب وصفه، مراقبة المخيم وإطلاق النار بين الحين والآخر، إلى جانب تحليق طائرات "الكواد كابتر" فوق أماكن النزوح.

منذ الأشهر الأولى للحرب على قطاع غزة، أقام جيش الاحتلال الإسرائيلي عشرات الرافعات والإنشاءات المعدنية المرتفعة على طول المناطق المحاذية للقطاع وفي بعض المحاور التي سيطر عليها خلال العمليات البرية.

وتُستخدم هذه الرافعات كمنصات مرتفعة للمراقبة والرصد، وتُزوّد في بعض الحالات بوسائل استطلاع بصرية وكاميرات بعيدة المدى، كما تشير شهادات سكان وصحفيين في غزة إلى استخدامها أيضًا كمنصات لإطلاق النار باتجاه المناطق القريبة، ولا سيما مخيمات النزوح الواقعة بمحاذاة مناطق ما تعرف حاليًا بـ"الخط الأصفر".

ولا يختلف ما يرويه يوسف شنن (16 عامًا)، وهو فتى مصاب كثيرًا عن شهادة محمد، وإن بدأت حكايته من رحلة بحث عن الماء.

يتذكر يوسف يوم 15 آذار/مارس 2026، حين اصطف عشرات الرجال والنساء والأطفال أمام صهاريج المياه، يحمل كل منهم جالونًا أو وعاءً صغيرًا، في انتظار الحصول على ما يسد عطش عائلته.

يقول إن المكان كان يعج بأصوات المنتظرين واحتكاك الأوعية المعدنية، قبل أن تقطعها فجأة زخات الرصاص القادمة من جهة الرافعات العسكرية الإسرائيلية المنتشرة على أطراف القطاع، والتي يؤكد سكان المنطقة أنهم يشاهدونها بوضوح.

أصابت إحدى الرصاصات ساق يوسف، لتبدأ رحلة علاج شاقة رافقها نزيف وألم ومخاوف دائمة من فقدان ساقه، ومنذ ذلك اليوم، لم تعد المسافة القصيرة بين خيمته وصهريج المياه مجرد خطوات اعتيادية، بل ممرًا محفوفًا بالموت.

تُستخدم هذه الرافعات كمنصات مرتفعة للمراقبة والرصد، وتُزوّد في بعض الحالات بوسائل استطلاع بصرية وكاميرات بعيدة المدى

يستذكر لحظة سقوطه، وصراخ النساء والأطفال وهم يفرون بحثًا عن ساتر، بينما بقيت أوعية المياه والجالونات ملقاة على الأرض. ويزيد هنا: "بالنسبة لي، لم يعد الوقوف في طابور الماء عملًا إنسانيًا يوميًا، بل هدفًا لجندي إسرائيلي يمكن أن يقتلني في أي لحظة".

ويتابع يوسف بأن الرافعات العسكرية أصبحت جزءًا من المشهد اليومي لسكان مخيم حلاوة، إذ يشاهدها الأهالي، خصوصًا ليلًا، وهي تتمركز على مواقع مرتفعة، بينما تظهر حركة الجنود وإضاءة الآليات بوضوح.

ووفق الفتى، فإن مع كل إطلاق نار يحدث، يندفع النازحون نحو الأرض، يحمل بعضهم أطفاله، ويترك آخرون الماء والطعام وكل ما في أيديهم، بحثًا عن زاوية تحجب عنهم رصاصًا يأتي من الأعلى.

ومن الجدير بالذكر، أنه منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025، استشهد أكثر من 1045 فلسطينيًا في قطاع غزة باستهدافات مباشرة من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، وفق أحدث بيانات وزارة الصحة في غزة، وسط استمرار الغارات وإطلاق النار رغم سريان الهدنة.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير