قطاع غزة:
على كرسيٍ بلاستيكي متهالك، جُبرت إحدى أقدامه المكسورة بسلكٍ معدني وقطعة خشب، يجلس أحمد رائد (22 عامًا) أمام شاشة حاسوبه المحمول في إحدى مساحات العمل المتواضعة بمدينة خان يونس، يحدّق طويلًا في الشاشة، ثم يعيد المحاولة مرة أخرى، علّه ينجح في الدخول إلى امتحانه الجامعي.
جاء إلى المكان بحثًا عن إنترنت أكثر استقرارًا من ذلك الذي يتعثر في خيام النزوح ومراكز الإيواء، ودفع ما استطاع من نقودٍ بالكاد تتسع لها جيوب العائلة المنهكة، لكن ما انتظره خلف الشاشة كانت صفحة "المودل" فارغة.
في لحظةٍ واحدة، أدرك أنه عاد مجددًا إلى دائرة "الحجب المالي"، الإجراء الذي يمنع الطلبة من الوصول إلى المحاضرات والامتحانات والتكليفات بسبب عدم تسديد الرسوم الدراسية، هكذا تحوّلت الأقساط الجامعية إلى حاجزٍ يقف بينه وبين حلم الطفولة بدراسة اللغة الإنجليزية والترجمة في الجامعة الإسلامية.
عشرات آلاف الطلبة الجامعيين في قطاع غزة وجدوا أنفسهم خارج قاعات الدراسة خلال حرب الإبادة الإسرائيلية
يقول رائد لشبكة نوى إن هذا فصله الدراسي الثالث خلال الحرب الذي حرم فيه من الدراسة بسبب الحجب المالي، حيث عجز عن تسديد الرسوم، ما يعني عمليًا تأجيل تخرجه عامًا إضافيًا، مضيفًا: "كل يوم أشعر أن الحلم يبتعد أكثر، كلما ظننت أنني اقتربت منه، اتسعت المسافة بيننا بسبب الظروف".
ليس وحده، فعشرات آلاف الطلبة الجامعيين في قطاع غزة وجدوا أنفسهم خارج قاعات الدراسة خلال حرب الإبادة الإسرائيلية، بعدما أطاحت الأزمة الاقتصادية بمصادر دخل العائلات، وحوّلت تأمين الطعام والماء إلى أولوية تتقدم على كل شيء آخر، في ظل اعتماد شبه كامل على مساعدات إنسانية شحيحة يواصل الاحتلال عرقلة وصولها إلى القطاع.
قبل الحرب، كان أحمد يسدد رسومه الجامعية بانتظام، لكن خسارة والده لعمله في التجارة قلبت واقع الأسرة رأسًا على عقب، وخلال أشهر قليلة، هبطت العائلة من الطبقة المتوسطة إلى ما دون خط الفقر، في قصة تشبه ما جرى لآلاف العائلات التي فقدت مصادر رزقها.
في قصة ثانية، تخوض سجود أبو سبت معركة مشابهة، بعد حصولها على معدل 93.3% في الثانوية العامة، التحقت بتخصص هندسة الذكاء الاصطناعي، لكن إصابة والدها خلال الحرب وفقدانه القدرة على العمل وضعا مستقبلها الجامعي أمام اختبارٍ قاسٍ.
داخل مركز الإيواء الذي تعيش فيه، جلست سجود خلف طاولة خشبية صغيرة، وحوّلتها إلى صفٍ دراسي مصغر، هناك تعطي دروسًا تقوية لأطفال المرحلة الأساسية مقابل أجرٍ لا يتجاوز شيكلين للطالب الواحد عن الحصة التي تمتد ساعة كاملة.
تقول: "لا أملك رفاهية الاستسلام، دراسة الهندسة ليست حلمي وحدي، بل أمل عائلتي أيضًا، أشعر أن نجاحي قد يكون فرصة لانتشالنا من الظروف التي فرضتها الحرب، ولذلك أواصل المحاولة مهما كانت الصعوبات".
أما ما تجنيه من ساعات العمل الطويلة، فلا يكاد يكفي احتياجاتها الأساسية، موضحة: "في نهاية اليوم أجمع ما بين 15 و20 شيكلًا. أدخر نصف المبلغ تقريبًا للرسوم الدراسية، وأستخدم الباقي لاستئجار حاسوب واتصال بالإنترنت في إحدى مساحات العمل القريبة مقابل خمسة شواكل للساعة الواحدة، حتى أتمكن من متابعة المحاضرات أو تسليم الواجبات وتقديم الامتحانات".
في المقابل، لا تبدو الجامعات نفسها بعيدة عن الأزمة، فبحسب مسؤولين أكاديميين، دُمّر نحو 92% من مرافق التعليم الجامعي في قطاع غزة أو تحولت إلى مراكز إيواء للنازحين، فيما توقفت معظم المنح والمساعدات الخارجية التي كانت تشكل مصدرًا مهمًا لدعم المؤسسات الأكاديمية وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها التشغيلية.
يقول الدكتور عمر ميلاد، رئيس جامعة الأزهر لـ"نوى"، إن الحرب أثرت بصورة كبيرة على قدرة الطلبة على تسديد الرسوم الدراسية، بالتزامن مع توقف شبه كامل للمنح الخارجية، سواء تلك التي كانت تقدم عبر مكتب الرئيس محمود عباس أو من خلال وزارة التربية والتعليم العالي، إضافة إلى وقف قروض التعليم الخاصة بطلبة قطاع غزة.
دُمّر نحو 92% من مرافق التعليم الجامعي في قطاع غزة أو تحولت إلى مراكز إيواء للنازحين
ويضيف أن هذه التطورات انعكست مباشرة على الميزانية التشغيلية للجامعة، التي تعتمد بصورة أساسية على الرسوم الدراسية كمصدر تمويل رئيس.
ورغم ذلك، -بحسب ميلاد-، حاولت الجامعة إيجاد مساحات للتخفيف عن الطلبة، مشيرًا: "خفضنا المبلغ المطلوب دفعه إلى 30% فقط من إجمالي الرسوم الدراسية، تُقسّط على ثلاث دفعات خلال الفصل الواحد، بينما تُرحّل نسبة 70% المتبقية لتسدد عند التخرج".
ويؤكد أن الجامعة تعتمد استثناءات تسمح للطلبة المسجلين بالتقدم للامتحانات وتسليم التكليفات حتى في حال تعذر السداد، غير أن هذه التسهيلات تظل مرتبطة بإتمام عملية تسجيل المساقات أصلًا، وهي خطوة لا تتم إلا بعد دفع القسط الأول مع بداية الفصل الدراسي.
























